أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد الطيب - اقتصاد يعاقب الفقراء














المزيد.....

اقتصاد يعاقب الفقراء


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 09:48
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في كل مرة تُطرح فيها مسألة فرض الضرائب أو توسيع قاعدتها في العراق، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: على أي أساس تُجبى الضرائب، ومن يتحمّل عبئها الحقيقي؟ غير أنّ الخطورة تبلغ ذروتها عندما يتجه التفكير الرسمي نحو الغذاء والعلاج، وهما الركيزتان الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية للمواطن، والأشد حساسية في بلد يعاني اختلالاً بنيوياً في العدالة الاجتماعية ومستويات الدخل.
إنّ دعوة العراقيين إلى اعتبار الغذاء والدواء خطاً أحمر ليست خطاباً عاطفياً أو مطلباً شعبوياً، بل هي موقف عقلاني يستند إلى معطيات اقتصادية واجتماعية واضحة. فوفق البيانات الرسمية وتقارير المنظمات الدولية، يعيش ما يقارب ثلث السكان تحت خط الفقر، فيما تعتمد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى على دخل هشّ لا يحتمل أي أعباء إضافية. في هذا السياق، تصبح أي ضريبة تُفرض على السلع الأساسية بمثابة اقتطاع مباشر من حق الحياة، لا إجراءً مالياً عادياً.
تقوم الفلسفة الضريبية في الدول المستقرة على مبدأ القدرة على الدفع، أي أن يتحمل العبء من يملك فائضاً مالياً حقيقياً، لا من ينفق معظم دخله على الغذاء والعلاج والسكن. لكنّ التجربة العراقية، للأسف، غالباً ما تنقلب على هذا المبدأ، إذ تُستسهل الضرائب غير المباشرة التي تصيب الجميع بالقدر نفسه، بغضّ النظر عن تفاوت الدخول. والنتيجة أن الفقير يدفع النسبة ذاتها التي يدفعها الميسور، رغم أن أثرها عليه مضاعف ومُنهك.
وتكشف الشواهد الميدانية أن ارتفاع أسعار الغذاء والدواء لا ينعكس فقط على القدرة الشرائية، بل يُنتج سلسلة أزمات اجتماعية وصحية. فالعائلات الفقيرة، عند تضييق الخناق المالي، تبدأ بتقليص نوعية الغذاء وكميته، أو تؤجل العلاج، أو تلجأ إلى أدوية بديلة أقل جودة. هذه الخيارات القسرية لا تُقاس فوراً بالأرقام، لكنها تظهر لاحقاً في ارتفاع معدلات سوء التغذية، وتفاقم الأمراض المزمنة، وزيادة الضغط على المستشفيات الحكومية التي تعاني أصلاً من ضعف التمويل.
أما الحجة القائلة إن الدولة بحاجة إلى موارد مالية إضافية، فهي حجة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها خاطئة في الاتجاه. فالعراق ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل فقير في إدارة موارده. الهدر المالي، والفساد الإداري، والتهرب الضريبي في القطاعات الكبرى، كلها تشكّل نزيفاً مستمراً يفوق بكثير ما يمكن أن تحققه ضرائب تُفرض على غذاء الفقراء ودوائهم. وتشير تقارير الرقابة المالية إلى أن مليارات الدنانير تضيع سنوياً بسبب سوء الإدارة والعقود الوهمية وضعف الجباية من الأنشطة الاقتصادية الكبيرة.
إنّ المقارنة مع تجارب دول أخرى تُظهر بوضوح أن حماية السلع الأساسية من الضرائب ليست ترفاً، بل سياسة اجتماعية واعية. ففي أغلب الدول التي تسعى إلى الاستقرار، تُعفى المواد الغذائية الأساسية والأدوية من الضرائب، أو تُفرض عليها نسب رمزية، مقابل تشديد الجباية على الكماليات، والأرباح العالية، والأنشطة الريعية غير المنتجة. هذا التوازن هو ما يحفظ السلم الاجتماعي ويمنع انتقال الأزمات المالية إلى الشارع.
من هنا، فإن أي توجه لفرض ضرائب على الغذاء والعلاج في العراق لا يمكن قراءته إلا بوصفه إخفاقاً في تشخيص المشكلة. فالأزمة ليست في قلة الموارد، بل في غياب العدالة الضريبية والرؤية الاقتصادية الشاملة. وإذا كانت الحكومة جادة في الإصلاح، فإن الطريق يبدأ من استعادة الأموال المنهوبة، وتفعيل الضرائب التصاعدية على الدخل والأرباح الكبرى، وضبط المنافذ الحدودية، لا من تحميل الفئات الأضعف ثمناً لم تُسهم في صناعته.
إنّ حماية غذاء العراقيين وعلاجهم ليست مطلباً فئوياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع متماسكاً. وأي مساس بهذا الخط الأحمر لن يكون مجرد إجراء مالي، بل قراراً ذا كلفة اجتماعية وسياسية عالية، قد لا تُحتمل نتائجها في بلد أثقلته الأزمات وأرهقته سنوات طويلة من سوء الإدارة والخيارات الاقتصادية الخاطئة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد
- القيادة الحقيقية : عندما يتفوق الوعي على السلطة
- عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟


المزيد.....




- تراجع أسعار النفط والأسهم العالمية بعد تصريحات ترامب بشأن فن ...
- اقتصاد روسيا ينجو من الركود
- ما تأثير فتح سوق العقارات في السعودية أمام الأجانب؟
- إنتل تسعى لمنافسة إنفيديا في قطاع منصات الألعاب المحمولة
- ترامب ينقل نفط فنزويلا إلى أميركا والصين تندد
- تضخم منطقة اليورو يتراجع إلى هدف المركزي الأوروبي
- أزمة تمويل تهدد قطاع الإسكان البريطاني
- بيتك الكويتي يتم إصداره الثالث لصكوك قيمتها مليار دولار
- وزارة النفط تؤكد: لا شح في إنتاج الغاز
- جورج وياه يكشف أسباب تعليق بناء جسرين أثناء رئاسته لليبريا


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد الطيب - اقتصاد يعاقب الفقراء