أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى














المزيد.....

خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 23:02
المحور: الصحافة والاعلام
    


لا يمكن ان اتخيل يوما ان ارجع من بناية واسم ومهنة مكسور الوجدان وحزين .. العودة بعد مرور عام على تقاعدي إلى بناية الصحيفة ليست زيارة عابرة، بل امتحان داخلي قاسٍ للذاكرة والمشاعر معاً. فالمكان الذي كان ذات يوم مسرحاً يومياً للركض خلف الخبر، وللجدل المهني، وللسهر مع العناوين، يتحول فجأة إلى مرآة صامتة تعكس ما تبقّى في الروح من حنين وأسئلة مؤجلة.
في تلك الزيارة إلى إحدى الصحف في بغداد، كنتُ أنا وزميلي الأستاذ ملاذ الأمين ندخل البناية بوصفنا متقاعدين بحكم القانون، لا بحكم الرغبة. لم نكن غرباء عن الجدران ولا عن الممرات، بل كنا نعرفها كما يعرف الإنسان تفاصيل بيته القديم. ومع ذلك، بدا كل شيء مختلفاً. الحجر الذي صمت طويلاً كان كأنه ينطق، والممرات التي ضجّت بخطواتنا في سنوات مضت بدت أطول وأبرد. كان ثقل الذكريات يسبقنا، ويجلس معنا على المقاعد التي لم تعد لنا، ويقف عند الزوايا التي شهدت انفعالاتنا الأولى وانكساراتنا المهنية الصغيرة.
توقّفنا عند أماكن جلوسنا السابقة، لا لنستعيد صورة الكرسي والطاولة فقط، بل لنستعيد أنفسنا كما كنّا: صحفيين مشغولين، متوترين، مشحونين بالأسئلة، نؤمن بأن الكلمة قادرة على إحداث فرق مهما كان بسيطاً. النظرة الحزينة التي تبادلتها عيوننا لم تكن حزناً على وظيفة انتهت، بل على زمن كامل غادرنا دون أن نستأذن، وعلى إيقاع حياة كان يفرض علينا المعنى كل صباح.
لقاؤنا بزملاء المهنة حمل دفئاً خاصاً. الوجوه تغيّر بعضها، وبعضها الآخر قاوم الزمن بإصرار لافت. المصافحات لم تكن رسمية، بل كانت أقرب إلى اعتراف صامت بأن ما يجمعنا أكبر من عقد عمل أو بطاقة تعريف. تحدّثنا عن الأيام القديمة، عن الأخبار التي كنا نطاردها، عن أخطاء ارتكبناها وتعلّمنا منها، وعن انتصارات صغيرة كنّا نحتفل بها بصمت.
في تلك الجلسة، طُرحت فكرة العودة إلى الكتابة. لم تأتِ بوصفها دعوة عاطفية فقط، بل بوصفها تذكيراً بالهوية. هنا قالت الصحفية الكبيرة سعاد البياتي جملتها التي استقرت في الذاكرة بعمق: «الصحفي لا يجب أن يتقاعد، فمهنة الصحافة تستمر طيلة الحياة». لم تكن العبارة شعاراً، بل خلاصة تجربة طويلة، ونظرة عميقة إلى جوهر المهنة.
فالصحافة، في معناها الحقيقي، ليست وظيفة تُغلق أبوابها مع بلوغ سن قانوني، بل هي حالة ذهنية وأخلاقية. الصحفي يتقاعد من الدوام، نعم، لكنه لا يتقاعد من القلق، ولا من طرح الأسئلة، ولا من مراقبة الواقع بعين ناقدة. من دخل هذا العالم مرة، يصعب عليه الخروج منه بالكامل، لأن أدواته الأساسية ليست جهاز الحاسوب أو بطاقة الدخول، بل الوعي والحسّ والقدرة على الشكّ.
الحزن الذي رافق تلك الزيارة لم يكن يأساً، بل كان حزناً نبيلاً، يشبه حزن الإنسان على مرحلة جميلة انتهت، مع إدراكه أنها شكّلته وصاغت جزءاً من هويته. هو حزن على ضجيج المكاتب الذي خفت، وعلى العناوين التي لم نعد نكتبها، وعلى النقاشات التي لم نعد نخوضها وجهاً لوجه. لكنه في الوقت نفسه حزن واعٍ، يعرف أن الكتابة لا تُصادر، وأن التجربة لا تُلغى بقرار إداري.
ربما تكون الصحافة من أكثر المهن قسوة في علاقتها بأبنائها. تعطيهم الكثير من القلق، وتسرق منهم الاستقرار، لكنها تمنحهم شيئاً نادراً: الشعور بأنهم جزء من نبض المجتمع. وعندما يُطلب من الصحفي أن يتوقف، يكتشف فجأة أن المسألة أعقد من توقيع على ورقة تقاعد، وأن الأسئلة التي تعوّد طرحها على الآخرين تعود لتطارده شخصياً.
تلك الزيارة أعادت فتح باب التفكير في معنى الاستمرار. ليس بالضرورة العودة إلى المكاتب نفسها، ولا إلى الروتين القديم، بل الاستمرار بوصفه موقفاً: كتابة أكثر هدوءاً، أكثر عمقاً، أقل انفعالاً، لكنها أكثر صدقاً. فالتجربة التي تراكمت عبر السنين لا يجوز أن تُركن جانباً، لأنها قادرة على تقديم قراءة مختلفة، أكثر نضجاً وأقل تسرعاً.
خرجنا من بناية الصحيفة مثقلين بالمشاعر، لكننا لم نخرج مهزومين. كان في كلام سعاد البياتي عزاء مهني وأخلاقي: الصحافة ليست عمراً وظيفياً، بل عمر كامل من الأسئلة. ومن يحمل هذه الأسئلة لا يتقاعد فعلاً، بل يغيّر موقعه فقط. وفي هذا التغيير، ربما تبدأ كتابة من نوع آخر، أكثر حزناً، لكنها أكثر صفاءً وصدقاً.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
- تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد


المزيد.....




- الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة
- أزمة أوروبا وما لا يراه ترامب
- إسرائيل تقطع علاقاتها بوكالات أممية ومنظمات دولية لموقفها من ...
- غازل ترامب والتقى ويتكوف سرا.. تعرف على نجل الشاه وطموحاته
- كوستاريكا تعلن كشف مؤامرة لاغتيال رئيسها
- إيران تتهم الولايات المتحدة بالبحث عن -ذريعة- للتدخل العسكري ...
- عاجل | سانا عن مصدر عسكري: قسد تستهدف نقاط الجيش ومنازل الأه ...
- لماذا أصبحت العلاقة مع روسيا خيارا إستراتيجيا لسوريا؟
- رئيس وزراء غرينلاند: لا نريد أن نكون تحت سيطرة أميركا
- الولايات المتحدة تحثّ مواطنيها على مغادرة إيران -فورا-


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى