أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ما تبقى بعد الحب














المزيد.....

ما تبقى بعد الحب


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


ليس الرحيل حدثاً عابراً في سيرة الحب، بل زلزالاً صامتاً يعيد ترتيب الداخل على نحو قاسٍ. فكرة أن يغادر من نحب حياتنا نهائياً، وأن يستمر العالم في دورانه من دون أن يلتفت إلى هذا الفراغ، هي أكثر الأفكار إيلاماً. يمضي الراحل في صفحات الحياة الأخرى، فيما نبقى نحن أسرى صفحة واحدة توقفت عند سطر الفقد، نعيد قراءته بلا جدوى، ونبحث بين حروفه عن نافذة هواء لا تُفتح.
الرحيل الكبير لا يُقاس بالمسافة، بل بالانقطاع. أن تعرف أن اللقاء لم يعد ممكناً، وأن الصدفة نفسها أُقصيت من الاحتمالات، هو شكل متقدم من الحزن؛ حزن لا يصرخ ولا يطلب العزاء، بل يستقر بهدوء جارح في القلب. يصبح الغياب كياناً له وزن، له صوت خافت، وله حضور ثقيل يرافق التفاصيل اليومية: في فنجان شاي، في مقعد فارغ، في أغنية عابرة، وفي عبارة كنا نؤجل قولها حتى فات الأوان.
الحب، في لحظة الرحيل، يتعرّى من رومانسيته السهلة، ويظهر بوصفه مسؤولية ذاكرة. نكتشف أننا لم نكن نحب شخصاً فحسب، بل كنا نحب النسخة التي صرنا عليها بوجوده. كان الحب مرآة نرى فيها أنفسنا أكثر احتمالاً للحياة، أكثر قدرة على الاحتمال. ومع الرحيل، تنكسر المرآة، فنقف أمام شظاياها، نحاول جمع صورة لا تكتمل، ونتعلم بصعوبة أن نرى أنفسنا من دون ذلك الضوء الذي كان يأتي من الخارج.
الذكريات لا تكون رحيمة كما نتوقع. لا تأتي على هيئة صور دافئة فقط، بل كاختبارات متكررة للقلب. تداهمنا بلا استئذان، تفرض حضورها في أوقات الضعف، وتستعيد أدق التفاصيل التي ظنناها هامشية: ضحكة في وقت غير مناسب، صمت طويل كان يفهم أكثر من الكلام، نظرة كانت تختصر كل ما لم يُقل. تتحول الذكريات إلى وطن مؤقت، ندخله هرباً من قسوة الواقع، ثم نخرج منه أكثر تعباً، لأننا نعرف أنه وطن لا يقيم فيه أحد.
في الرحيل، يتغير معنى الزمن. الماضي يصبح أثقل من الحاضر، والمستقبل يبدو فكرة مجردة بلا ملامح. نتعلم أن الزمن لا يشفي كما يُقال، بل يعلّمنا فقط كيف نُخفي الجرح، كيف نمنحه اسماً أقل فجاجة، وكيف نتعايش مع ألم لا يختفي. يمر الوقت، نعم، لكنه لا يمحو الأثر، بل يرسخه في طبقة أعمق من الوعي، حيث لا تصل الكلمات الجاهزة ولا النصائح السريعة.
أقسى ما في الرحيل أنه يترك الأسئلة بلا أجوبة. ماذا لو بقينا؟ ماذا لو تأخر الرحيل؟ ماذا لو قيلت الكلمات في وقتها؟ هذه الـ«لو» لا تبحث عن حل، بل عن تعذيب إضافي. ومع ذلك، نتمسك بها، لأنها تمنحنا وهماً صغيراً بالسيطرة على ما لا يمكن تغييره. الرحيل يعلّمنا، بطريقة موجعة، أن بعض الخسارات لا تُراجع، وأن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح مهما طال الانتظار.
الحب بعد الرحيل لا يموت، لكنه يتغير. يتحول إلى حنين ناضج، إلى وفاء صامت، إلى احترام عميق لما كان. لا ننسى، ولا نريد النسيان. النسيان خيانة للمعنى، والذكرى اعتراف بقيمة التجربة. نتعلم أن نحب الراحل بطريقة أخرى: نحمله معنا من دون أن نطالبه بالحضور، ونترك له مكاناً ثابتاً في الذاكرة من دون أن نسمح للحزن أن يبتلع ما تبقى من حياتنا.
ومع كل ذلك، يبقى السؤال الأكثر وجعاً: كيف نمضي؟ نمضي لأن الحياة لا تنتظر حزننا، ولأن الاستسلام الكامل للفقد هو موت مؤجل. نمضي بحذر، بخطوات بطيئة، ونحن نعرف أن جزءاً منا بقي هناك، في نقطة الرحيل. نمضي ونحن نحمل الذكريات لا كعبء فقط، بل كشهادة على أننا أحببنا بصدق، وأن هذا الصدق، مهما كان مؤلماً، هو ما يمنح حياتنا عمقها الإنساني.
الرحيل الكبير لا يُنهي الحب، بل يختبره في أقسى صوره. والذكريات، رغم قسوتها، تظل الدليل الوحيد على أن ما حدث لم يكن وهماً. ربما لا يبقى من الراحل شيء ملموس، لكن ما تركه فينا يكفي ليغيّرنا إلى الأبد. وفي هذا التغيّر، المؤلم والناضج معاً، تكمن حقيقة الحب: أن يرحل صاحبه، ويبقى أثره حياً، لا يُرى، لكنه يُحس في كل مرة نحاول فيها أن نكون أقل وحدة، وأكثر شجاعة في مواجهة الحياة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا
- بين النار والثلج : سيرة انسان
- الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
- هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه


المزيد.....




- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ما تبقى بعد الحب