أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي














المزيد.....

من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 18:50
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يعد الإعلام في عالم اليوم مجرّد وسيط محايد لنقل الأخبار أو إعادة تدوير الوقائع كما هي، بل تحوّل إلى فاعلٍ أساسي في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الاتجاهات، وبناء منظومة القيم داخل المجتمع. فالكلمة الإعلامية لم تعد عابرة أو بلا أثر، بل باتت قادرة على ترسيخ النزاهة أو تكريس الفساد، تعزيز الثقة أو تعميق الشك، فتح أفق الحوار أو إشعال الاستقطاب.
إن اختزال وظيفة الإعلام في نقل الخبر فقط يمثل فهماً قاصراً لدوره الحقيقي. الخبر، في ذاته، مادة خام؛ أما القيمة المضافة فتتمثل في طريقة معالجته، وسياقه، واللغة المستخدمة في تقديمه، والغاية الأخلاقية الكامنة خلف نشره. هنا تحديداً يبدأ الدور البنائي للإعلام: في تفسير الحدث، وربطه بالواقع الاجتماعي، وتفكيك أبعاده، ومنح الجمهور أدوات الفهم لا تلقين المواقف الجاهزة.
يساهم الإعلام الجاد في بناء المجتمع عبر فتح قنوات تواصل حقيقية مع الجمهور، لا من موقع الوصاية أو التعالي، بل من موقع الشراكة والمسؤولية المشتركة. فالإعلام الذي يصغي بقدر ما يتكلم، ويطرح الأسئلة بقدر ما يقدم الإجابات، هو إعلام يراكم الثقة على المدى الطويل. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمصداقية، والاستمرارية، والاعتراف بالأخطاء حين تقع.
وفي هذا السياق، تبرز النزاهة كحجر أساس في العمل الإعلامي. فغياب النزاهة لا يفضي فقط إلى تضليل الرأي العام، بل يساهم في تآكل الثقة بين المجتمع ووسائله الإعلامية، ويفتح المجال أمام الإشاعة والخطاب الشعبوي والبدائل غير المهنية. الإعلام النزيه لا يعني الحياد البارد أو الانسحاب من القضايا العامة، بل يعني الانحياز للحقيقة، وللمصلحة العامة، ولحق المجتمع في معرفة ما يجري دون تزييف أو انتقائية.
غير أن النزاهة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بشجاعة المهنة. فالإعلامي الحقيقي هو من يمتلك الجرأة على طرح الملفات الصعبة، ومساءلة مراكز النفوذ، وعدم الارتهان للمصالح الضيقة أو الضغوط السياسية والاقتصادية. شجاعة المهنة لا تعني التهوّر أو الإثارة المجانية، بل الالتزام الصارم بالمعايير المهنية حتى عندما تكون الكلفة عالية.
إن أزمة الإعلام في كثير من المجتمعات ليست أزمة أدوات أو تقنيات، بل أزمة وعي بالدور والمسؤولية. فحين يتحول الإعلام إلى منصة للترويج أو التصفية أو الابتزاز، يفقد جوهره بوصفه سلطة معرفية ورقابية. وحين يستعيد وعيه بوظيفته التنويرية، يصبح شريكاً في الإصلاح لا مجرد شاهد عليه.
في المحصلة، الإعلام ليس مرآة صامتة تعكس ما يحدث فقط، بل قوة فاعلة تساهم في صياغة ما سيحدث. ومن هنا، فإن الالتزام بأخلاقيات المهنة، وتعزيز ثقافة النزاهة، وبناء جسور الثقة مع الجمهور، ليست خيارات تجميلية، بل شروط وجود لإعلام يستحق أن يكون جزءاً من مشروع بناء المجتمع لا عبئاً عليه.
وهنا يمكن القول إن الرهان الحقيقي على الإعلام لا يُقاس بسرعة الخبر ولا بعدد المتابعين، بل بعمق الأثر الذي يتركه في وعي المجتمع ومسار تطوره. فالإعلام الذي يكتفي بنقل الوقائع دون مساءلتها، أو يعرض الأحداث دون تفكيكها، يتحول مع الوقت إلى أرشيف بارد لا يغيّر شيئاً في الواقع، مهما بدا نشيطاً أو واسع الانتشار. أما الإعلام الذي يدرك موقعه كقوة فكرية ورقابية، فهو إعلام يسهم في إعادة ترتيب العلاقة بين المواطن والسلطة، وبين الفرد والمجتمع، على أساس المعرفة لا التضليل، والثقة لا الارتياب.
إن بناء الثقة بين المجتمع ووسائل الإعلام عملية تراكمية شاقة، تبدأ من احترام عقل المتلقي، والابتعاد عن التهويل والابتذال، والالتزام الصارم بالمعايير المهنية في أصعب الظروف قبل أسهلها. فالجمهور، مهما بدا متقلباً أو منقسماً، يمتلك حساً عالياً في تمييز الصدق من الزيف، ويحتفظ بذاكرة طويلة تجاه من خذله أو احترمه. ومن هنا، فإن أي إعلام يفرّط بمصداقيته، ولو لمكسب آني، إنما يضعف موقعه ودوره على المدى البعيد.
كما أن شجاعة المهنة تظل شرطاً أخلاقياً لا يمكن التنازل عنه. فالإعلامي ليس موظف علاقات عامة، ولا صانع ضجيج، بل شاهد ومسؤول في آن واحد. ومسؤوليته لا تتوقف عند حدود النشر، بل تمتد إلى إدراك تبعات الكلمة، وتأثيرها في السلم الاجتماعي، وفي ترسيخ ثقافة القانون والمساءلة. فالصمت عن الخطأ تواطؤ، والمجاملة على حساب الحقيقة خيانة مهنية، والحياد الزائف أمام قضايا واضحة المعالم شكل من أشكال الانسحاب الأخلاقي.
وفي زمن تتكاثر فيه المنصات وتتداخل فيه الحقيقة مع الشائعة، يصبح الإعلام المهني خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع. فإما أن يكون جزءاً من الحل، عبر تعزيز ثقافة النزاهة والحوار والعقلانية، أو يتحول إلى جزء من الأزمة، حين ينساق خلف الاستقطاب والمصالح الضيقة. والاختيار هنا ليس تقنياً ولا ظرفياً، بل خيار قيمي يحدد موقع الإعلام في التاريخ: إما شاهداً منحازاً للحقيقة، أو أداة عابرة في زمن الاضطراب.
وعليه، فإن استعادة الدور الحقيقي للإعلام تبدأ من داخل المهنة نفسها، من إعادة الاعتبار للأخلاقيات، ومن تحصين الإعلاميين بالمعرفة والاستقلال والشجاعة. عندها فقط يمكن للإعلام أن يؤدي وظيفته الأسمى: أن يكون جسراً للتواصل لا ساحة للصراع، ومنبراً للتنوير لا أداة للتضليل، وشريكاً فعلياً في بناء مجتمع أكثر وعياً، وعدلاً، وثقة بذاته وبمستقبله.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا
- حين يصبح الحب وزنًا لا جناحًا


المزيد.....




- مي عز الدين تحتفل بعيد ميلادها مع تهنئة رومانسية من زوجها
- بيان مصري يعلق على اتفاق الحكومة السورية مع -قسد-
- فحوصات الدماغ في أبحاث -اضطراب فرط النشاط- تدهش الخبراء
- نهائي كأس الأمم الأفريقية: معركة -منشفة- حارس مرمى المنتخب ا ...
- اشتباكات رغم الاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية ومخاوف من ...
- المغرب والسنغال: نهائي فوضوي يشعل غضب الفيفا.. هل أثرت قرارا ...
- القوات الكردية.. عودة على الاشتباكات والاتفاقيات مع الحكومة ...
- 3 ملفات ينتظرها الفلسطينيون من الإدارة الجديدة لقطاع غزة
- نتنياهو: لدينا خلاف مع الأميركيين بشأن مجلس المستشارين الذي ...
- بالغربال ومنذ عامين.. فلسطيني يجمع أشلاء أسرته من تحت أنقاض ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي