أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - اصنامنا البشرية














المزيد.....

اصنامنا البشرية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 18:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في العلاقات الإنسانية لا نتعامل مع الأشخاص كما هم، بل كما نتصورهم. نصنع لكل فرد صورة ذهنية مسبقة، نلوّنها بتوقعاتنا، ونمنحها صفات لم يصرّح بها ولم يلتزم بها. هذه الصورة تصبح مرجعنا في الحكم والتفاعل، لا الشخص نفسه. الخطير في الأمر أن هذه الصورة لا تُبنى على معرفة عميقة، بل على انطباع أول، أو موقف عابر، أو سمعة متداولة، أو حتى على حاجتنا النفسية لأن نرى الآخرين كما نحب لا كما هم.
نحن لا نرى الإنسان، بل نرى فكرتنا عنه. نتعامل مع هذه الفكرة بثقة كاملة، ونمنحها سلطة القرار في القرب والبعد، في الثقة والخذلان، في الإعجاب أو النفور. ومع مرور الوقت تتحول الصورة الذهنية إلى قناعة راسخة، ونبدأ في الدفاع عنها كما لو كانت حقيقة مطلقة. أي تصرّف يخالفها نبرره، وأي إشارة تناقضها نتجاهلها، لأن الاعتراف بالخطأ يعني الاعتراف بأننا كنا سذّجاً في التقدير.
الصدمة تبدأ لحظة كسر هذا القالب. لا يحدث ذلك دفعة واحدة، بل عبر موقف كاشف، فكرة صريحة، أو سلوك لا يحتمل التأويل. هنا لا يسقط الشخص من نظرنا، بل تسقط صورتنا عنه. وهذا الفرق جوهري. الألم لا يصنعه الآخر، بل تصنعه الفجوة بين ما تخيلناه وما تبيّن لنا. نحن لا نصدم من الناس، بل نصدم من أوهامنا عنهم.
في تلك اللحظة يتغيّر ميزان العلاقة. يصبح الكلام أكثر حذراً، وتتحول العفوية إلى تحفظ، ويتراجع الاندفاع إلى مراقبة صامتة. لا لأن الشخص تغيّر، بل لأننا أدركنا متأخرين أننا لم نكن نعرفه أصلاً. هنا يحدث الانسحاب النفسي، وهو أخطر من القطيعة المعلنة. انسحاب هادئ، بلا ضجيج، تفرضه الرغبة في إعادة ترتيب الصورة وفق حقيقتها لا وفق رغباتنا.
اللافت أن كثيراً من الناس يحمّلون الطرف الآخر مسؤولية هذه الصدمة، ويتهمونه بالخداع أو التمثيل، بينما الحقيقة أكثر قسوة: نحن من خدعنا أنفسنا. نحن من أسقطنا توقعاتنا عليه، ومنحناه دوراً لم يختره. الإنسان لم يقل يوماً إنه الصورة التي رسمناها، لكنه أيضاً لم يُكلّف نفسه عناء تصحيحها، لأن الصمت في مثل هذه الحالات غالباً ما يُفهم خطأ على أنه موافقة.
الأكثر إيلاماً أن هذه الظاهرة تتكرر في كل البيئات: في الصداقة، في العمل، في السياسة، وحتى في العلاقات العاطفية. نبحث عن نموذج مثالي يملأ فراغاتنا النفسية، ونغض الطرف عن التفاصيل التي لا تعجبنا. ثم نندهش عندما تظهر الحقيقة عارية، بلا مساحيق. وكأننا نتفاجأ بأن الإنسان كائن متناقض، معقّد، تحكمه مصالحه ومخاوفه قبل مبادئه المعلنة.
المشكلة لا تكمن في أن الناس ليسوا كما نريد، بل في إصرارنا على التعامل معهم كما لو كانوا كذلك. نرفض تحديث الصورة، ونقاوم الاعتراف بالواقع، لأن ذلك يفرض علينا تغيير سلوكنا، وربما مراجعة اختياراتنا السابقة. التراجع في هذه المرحلة ليس هروباً، بل فعل وعي متأخر، محاولة لحماية الذات من الاستمرار في علاقة قائمة على سوء تقدير.
الصدمة، برغم قسوتها، تمتلك وظيفة تصحيحية. هي لحظة كشف، تضعنا أمام مسؤولية فكرية وأخلاقية: إما أن نستمر في الوهم، أو أن نعيد تعريف العلاقة بحدود أكثر واقعية. كثيرون يختارون الإنكار، وقليلون يختارون المواجهة الصامتة مع أنفسهم أولاً.
في النهاية، الصورة الحقيقية للآخر لا تُكتشف عبر الكلمات الجميلة ولا المواقف الاستعراضية، بل عبر الاختبار العملي للقيم، عبر لحظات الاختلاف لا الاتفاق، وعبر القدرة على احترامك حتى في غياب المصلحة. من يفشل في هذه الاختبارات لا يعني أنه شخص سيئ، بل يعني فقط أنه ليس الشخص الذي رسمته في خيالك.
النضج الإنساني يبدأ عندما نتوقف عن صناعة الأصنام الذهنية، ونتعلم التعامل مع البشر كما هم، بحدودهم ونقائصهم. عندها فقط تصبح الصدمات أقل، لأننا لم نعد نراهن على الصور، بل على الوقائع.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر
- حين يصل الجمال متأخرًا


المزيد.....




- إخراج منازل من تحت تراكمات ثلجية عميقة في كامتشاتكا الروسية ...
- منظومة دفاع جديدة في أوكرانيا.. وتحذير من ضربة روسية كبيرة
- اتهامات للجيش السوداني بارتكاب مجازر بحق المدنيين في كردفان ...
- قيادية كردية: دمشق تريد نزع سلاحنا واستسلامنا دون مقابل
- فيديو: أمطار غزيرة تجتاح مدنا تونسية.. تأهب وتعطيل للدراسة
- رسالة لترامب يربط فيها بين سعيه لضم غرينلاند وعدم فوزه بنوبل ...
- أخبار اليوم: -سجن سري- قرب المكلا؟ .. اتهامات يمنية ونفي إما ...
- باريس تعتزم رفض دعوة الانضمام ومواقف دولية حذرة من مجلس السل ...
- كندا تدرس إرسال قوات إلى غرينلاند وأوروبا تبحث الرد على ترام ...
- مسلسل -ممكن- خارج رمضان.. ونادين نسيب نجيم تعتذر لجمهورها


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - اصنامنا البشرية