أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية














المزيد.....

ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 10:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست القرارات الثقيلة التي تُلقى اليوم على كاهل المواطن نتاج ارتباك أو سوء تقدير آني، بل تعبير عن نمط سياسي قديم يتجدد بوجوه مختلفة. نمط يقوم على توزيع الأدوار لا على تحمل المسؤوليات، وعلى إدارة اللحظة لا معالجة الجذور. ما يجري هو انتقال محسوب للأعباء من مرحلة إلى أخرى، بحيث تُمرَّر الإجراءات المؤلمة في توقيت “آمن سياسيًا”، ويُعاد ترتيب المشهد بما يخدم من سيجلس طويلًا في موقع القرار.
في مثل هذه اللحظات، تتحول الدولة إلى مسرح، وتُكتب الأدوار بعناية. هناك من يُكلَّف بتحمل الغضب، ومن يُحضَّر لاستقبال التصفيق. لا أحد يعترض على القرارات في جوهرها داخل الدائرة الضيقة، لكن الخلاف الحقيقي يدور حول التوقيت ومن يوقّع. فالسياسة هنا لا تُدار بمنطق المصلحة العامة، بل بمنطق تقليل الخسائر الشخصية.
المرحلة الانتقالية تصبح فرصة مثالية لتمرير ما لا يمكن تمريره في بداية ولاية جديدة. تُرفع شعارات الضرورة، وتُستحضر لغة الإنقاذ، بينما الحقيقة أن ما يجري هو إزاحة منظمة للكلفة السياسية. من انتهت صلاحيته الدستورية يتحول إلى واجهة جاهزة لامتصاص السخط، ومن ينتظر دوره يُترك بعيدًا عن مرمى النقد، ليبدأ لاحقًا بخطاب مفعم بالوعود وكأنه قادم من خارج المنظومة لا من قلبها.
هكذا يُعاد إنتاج الوهم: تُختزل الأزمة في أشخاص، وتُفصل القرارات عن سياقها، وكأنها أخطاء فردية لا نتاج مسار طويل من السياسات الفاشلة. يُقال للناس إن المشكلة كانت في مرحلة وانتهت، وإن القادم سيصحح المسار، بينما الأدوات ذاتها والعقليات ذاتها ما زالت تتحكم بالمشهد.
الأخطر في هذا النمط أنه يراهن على الذاكرة القصيرة. يُفترض أن الغضب سيخفت، وأن المواطن سيُنهك من الاحتجاج، وأن الوقت كفيل بإعادة تدوير الثقة. وبين دورة انتخابية وأخرى، تُرحّل الأزمات دون حل، وتتراكم الكلف دون مساءلة، ويُطلب من الناس أن يتأقلموا مع واقع يتدهور باسم الواقعية السياسية.
ما يحدث ليس إدارة دولة بمفهومها المؤسسي، بل إدارة مزاج عام. ليس إصلاحًا بنيويًا، بل مسكنات مؤقتة تُعطى بجرعات قاسية. وحين تفشل، لا يُفتح ملف المحاسبة، بل يُفتح ملف التبرير. دائمًا هناك ظرف، دائمًا هناك إرث ثقيل، ودائمًا هناك شماعة جاهزة.
في هذا السياق، يفقد الخطاب الوطني معناه. تتحول الكلمات الكبيرة إلى غطاء رقيق لقرارات تمس حياة الناس اليومية. يُستدعى الصبر كفضيلة وحيدة مطلوبة من المجتمع، بينما لا يُطلب من السلطة سوى إتقان لعبة التوقيت. المواطن مطالب بالتحمل، لا بالفهم، وبالانتظار، لا بالمشاركة.
المفارقة أن الجميع يدرك هذه اللعبة، ومع ذلك تستمر. لأن كلفتها موزعة، ولأن المسؤولية مُجزأة، ولأن الغضب حين لا يجد عنوانًا واضحًا يتبدد. وهنا تكمن براعة المنظومة: لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مذنب تمامًا، والنتيجة أن لا أحد يُحاسب.
إن اختزال الأزمات في أسماء الراحلين عن السلطة، وتلميع القادمين قبل أن يبدأوا، ليس ذكاءً سياسيًا كما يُسوَّق له، بل استخفاف بعقول الناس. المشكلة لم تكن يومًا في شخص، ولن تُحل بتغيير وجه. المشكلة في نهج يرى الدولة أداة لتدوير السلطة لا لخدمة المجتمع، ويرى المواطن رقمًا في معادلة الغضب لا شريكًا في القرار.
ما لم يُكسر هذا النمط، ستظل الأدوار تتبدل والمسرحية واحدة. سيبقى المواطن في مقاعد الانتظار، يصفق أحيانًا ويغضب كثيرًا، لكنه في النهاية يُطلب منه أن ينسى، لأن النسيان هو الشرط غير المعلن لاستمرار اللعبة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟
- دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
- الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
- سيدة المطر


المزيد.....




- ترامب عن إيران: -قادتها الإرهابيون رحلوا أو يعدّون الدقائق ح ...
- حزب الله يوسع هجماته ويضرب العمق الإسرائيلي.. وإسرائيل تكثف ...
- -مستبد آخر سيواصل وحشية النظام-.. الخارجية الإسرائيلية تندد ...
- كيف تم التحضير للهجوم على خامنئي واغتياله؟
- تركيا: انطلاق محاكمة رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في ق ...
- لوفيغارو: ترمب شن الحرب فجأة وقد يوقفها فجأة وفي أي وقت
- -الزعيم- يواجه الكاميرا بلا دور مكتوب.. مشروع جديد يعيد عادل ...
- وزير الدفاع الأفغاني للجزيرة نت: نحقق في دور أمريكي لضرب أسل ...
- الحرب على تخوم أوروبا.. مسيّرات إيران تخترق أجواء القارة الع ...
- بعد 10 أيام من الحرب.. هذا ما نعرفه عن خسائر الجيش الأمريكي ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية