أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا














المزيد.....

حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 16:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس الانحياز دائمًا انحرافًا أخلاقيًا أو عطبًا في ميزان العدالة، كما تحب الخطابات السطحية أن تصوره، بل قد يكون أحيانًا موقفًا معرفيًا واعيًا، يتأسس على رؤية للعالم، وعلى شبكة من القيم والتجارب والافتراضات المسبقة التي لا يمكن للعقل أن يتعرّى منها كليًا. فالعقل لا يعمل في فراغ، والمعرفة لا تُنتج في مختبر محايد معزول عن التاريخ واللغة والسلطة والذات.
منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الإنسان عينيه على العالم، يبدأ تشكّل انحيازاته الأولى: انحياز للغة التي يتكلمها، للثقافة التي تحيط به، للسرديات التي تفسّر له الخير والشر، الممكن والمستحيل. هنا لا يعود الانحياز عيبًا طارئًا، بل شرطًا من شروط الفهم نفسه. فكما قال هانس جورج غادامير في فلسفته التأويلية: «التحيّزات ليست بالضرورة أحكامًا خاطئة، بل هي شروط الفهم». نحن نفهم من داخل أفق، لا من خارجه.
الادعاء بالحياد المطلق غالبًا ما يكون قناعًا لانحياز غير معترف به. فالمعرفة التي تزعم أنها «بلا موقف» تخفي عادة موقفًا مهيمنًا جرى تطبيعه حتى بدا وكأنه الحقيقة الطبيعية للأشياء. ميشيل فوكو كشف هذا الوهم حين ربط المعرفة بالسلطة، مبيّنًا أن ما يُقدَّم بوصفه معرفة موضوعية إنما هو نتاج علاقات قوة تحدد ما يجوز قوله، وما يجب إقصاؤه، ومن يملك حق الكلام أصلًا. في هذا السياق يصبح الانحياز ليس خيانة للمعرفة، بل فضحًا لبنيتها الخفية.
حين ينحاز الفيلسوف أو المثقف أو الكاتب، انحيازًا واعيًا ومعلنًا، فهو لا يتخلى عن العقل، بل يمارس شكلًا أعلى من الصدق المعرفي. الانحياز هنا ليس تعصّبًا أعمى، بل تموضعًا نقديًا. جان بول سارتر، في دفاعه عن «الأدب الملتزم»، رأى أن الكاتب الذي يرفض الانحياز إنما ينحاز ضمنيًا إلى القائم، إلى الظلم الصامت الذي يستفيد من الصمت. فاللاموقف في أزمنة القهر ليس حيادًا، بل مشاركة سلبية في إنتاج القهر.
حتى العلم نفسه، الذي يُستدعى غالبًا بوصفه المثال الأعلى للموضوعية، لم يكن يومًا خارج الانحيازات الكبرى. توماس كون، في حديثه عن «النماذج الإرشادية» (Paradigms)، بيّن أن ما نعدّه حقيقة علمية إنما يعمل داخل إطار نظري مسبق، وأن التحولات العلمية الكبرى لا تقع لأن العلماء أصبحوا أكثر حيادًا، بل لأنهم تبنّوا انحيازًا معرفيًا جديدًا أعاد تفسير الوقائع نفسها بمنظور مختلف.
غير أن الفارق الجوهري يكمن بين الانحياز بوصفه موقفًا معرفيًا، والانحياز بوصفه أيديولوجيا مغلقة. الأول قابل للمراجعة، يعترف بنسبيته، ويحتكم إلى الحجة والدليل، بينما الثاني يحوّل الفكرة إلى عقيدة، ويغلق باب السؤال، ويستبدل البرهان بالولاء. الانحياز المعرفي يقول: «هذا موقفي لأن معطياتي تقودني إليه»، أما الانحياز الأيديولوجي فيقول: «هذه نتيجتي مهما تغيّرت المعطيات».
في السياقات الاجتماعية والسياسية المأزومة، يصبح الانحياز أحيانًا واجبًا معرفيًا. الانحياز للضحية ضد الجلاد، للحقيقة ضد التزييف، للعقل ضد الخرافة، ليس خروجًا عن الموضوعية، بل دفاع عنها. فالحياد بين الحقيقة والكذب ليس حيادًا، بل خيانة للمعرفة نفسها. كما كتب أنطونيو غرامشي: «اللامبالاة هي الوزن الميت للتاريخ».
إن أخطر ما يواجه الفكر اليوم ليس الانحياز، بل الجبن المعرفي الذي يتخفّى خلف شعارات «التوازن» و«الحياد» و«سماع كل الآراء»، حتى حين تكون بعض الآراء إنكارًا للواقع أو تبريرًا للظلم. فليس كل رأي يستحق موقعًا متساويًا في ميزان العقل، وليس كل انحياز مذمومًا لمجرد كونه انحيازًا.
حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا، فإنه يتحول إلى فعل شجاعة: شجاعة الاعتراف بأننا نرى من زاوية، وشجاعة الدفاع عن هذه الزاوية بالحجة لا بالصراخ، وبالبرهان لا بالقداسة. عندها فقط يصبح الانحياز ليس نقيضًا للحقيقة، بل أحد الطرق الصعبة للوصول إليها.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة


المزيد.....




- معرض CES.. خاتم ذكي يتحكم بالأجهزة الإلكترونية ويراقب الصحة ...
- أخبار اليوم: الإعلان عن توقيع -عقود استراتيجية- بين سوريا وا ...
- باكستان تنهي عملية ضد انفصاليي بلوشستان ومقتل 216 متشددا
- السجن مدى الحياة على متهم بمحاولة اغتيال ترمب
- عقوبات بريطانية ضد قادة سودانيين لدورهم في تأجيج الصراع
- اليونان توقف مغربيا إثر حادثة اصطدام أودت بـ15 مهاجرا
- الكرملين يرفض مزاعم غربية عن ارتباط إبستين بالاستخبارات الرو ...
- انطلاق المحادثات الأميركية - الإيرانية في مسقط
- ترمب يدعو إلى -معاهدة جديدة ومحدثة- مع روسيا بعد انتهاء -نيو ...
- ترمب يحتاج إلى -الانتصارات الانتخابية- لإرضاء -كبريائه الشخص ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا