أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية














المزيد.....

حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 21:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن الدخول على هيئة اجتياح صاخب أو عبور دموي كما في السنوات الأولى، بل بدا المشهد أكثر برودة وخبثاً. قوافل بشرية تُساق بصمت، وجوه قاسية فقدت ملامحها، تُنقل تحت عناوين إجرائية، وتُحجز في نقاط معزولة، محاطة بمحاجز أمنية تبدو في ظاهرها احتواءً وفي جوهرها تخزيناً مؤقتاً. محاجز لا تشبه السجون بقدر ما تشبه عشّ دبابير مُحكم الإغلاق، ساكن من الخارج، مكتظ بالغضب والعقيدة والانتقام من الداخل، ينتظر لحظة الكسر.
في تلك المحاجز، لا يُقتل الخطر بل يُدار. لا يُفكك الفكر بل يُترك يتخمر. آلاف المقاتلين يُضغطون في مساحة واحدة، يُجرَّدون من الحركة لا من القناعة، ويُراقَبون لا يُعاد تأهيلهم. كل شيء محسوب بدقة: المكان، التوقيت، درجة الانضباط، وحتى مستوى التسرب المحتمل. لا أحد يتحدث عن المصير، لأن المصير ليس هدفاً، بل الوظيفة. وظيفة جاهزة للاستدعاء متى ما استدعت الحاجة.
هذه المحاجز ليست نهاية الطريق، بل بدايته المؤجلة. عشّ دبابير لا يُراد له أن يُباد، بل أن يُفتح في اللحظة المناسبة. يكفي خلل أمني صغير، أو انسحاب متعمّد، أو تغاضٍ محسوب، حتى تتشقق الجدران ويخرج السرب. عندها لن يخرجوا ككتلة واحدة، بل كآلاف الشظايا، خلايا صغيرة، ذئاب منفردة، نقاط نار متنقلة، تنتشر في الجغرافيا العراقية كما ينتشر السم في الجسد.
اللمسة الأمريكية هنا لا تظهر في المشهد المباشر، بل في الإخراج. لا وجود علنياً، لا إعلان قرار، لا بصمة واضحة. فقط إدارة ذكية للمخاطر، وتحويل العدو من مواجهة خارجية إلى عبء داخلي. فحين ينفجر العش، لن يُسأل من بناه، بل من فشل في احتوائه. لن تُوجَّه أصابع الاتهام إلى من نقل، بل إلى من عجز عن السيطرة. وهكذا يُعاد إنتاج الفوضى بأدوات محلية، بينما يبقى صانع المشهد في موقع المراقب.
في هذا السيناريو، لا يدخل داعش إلى العراق كجيش، بل كعدوى. لا يرفع راياته في البداية، بل يتسلل إلى الفراغات، إلى الأطراف المنسية، إلى مناطق الهشاشة الأمنية والاجتماعية. وما يبدو اليوم محاجز احترازية، قد يتحول غداً إلى مصدر انفجار شامل، يعيد العراق إلى نقطة الصفر، دون طلقة واحدة على الحدود.
إنه نموذج بالغ القسوة: عشّ دبابير مزروع بعناية، داخل جسد بلد لم يشفَ بعد من لسعاته السابقة، وكل ما يلزم لإطلاق السرب هو قرار صامت، أو انسحاب محسوب، أو لحظة فوضى مدروسة. هكذا تُدار الحروب الحديثة، لا بالاجتياح، بل بفتح الأقفاص في الوقت المناسب.
وفي اللحظة التي قد يظن فيها البعض أن تلك المحاجز أُقيمت للسيطرة ومنع الخطر، ينبغي التوقف عند المعنى الأعمق لما يجري. ما يُحجز اليوم داخل تلك الأسوار ليس تهديداً مُعطلاً، بل «حصان طروادة» كامل التجهيز، أُدخل إلى الجغرافيا العراقية باسم الإجراءات الأمنية، ويُخفى في داخله ما يكفي لإشعال الفوضى من الداخل لا من الحدود. حين يُفتح هذا الحصان، لن يخرج منه جنود نظاميون يمكن رصدهم أو صدّهم، بل آلاف الدواعش المتشظّين، القادرين على الضرب والاختفاء وإرباك الدولة والمجتمع معاً. هنا تكمن الخطورة القصوى: أن يتحول الاحتواء إلى تمهيد، والحجز إلى تموضع، والأمن المؤقت إلى كارثة مؤجلة، تُدار بذكاء خارجي وتُدفع أثمانها دماً واستقراراً من الداخل العراقي.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته
- تدريب عنيف على الخسارة
- وهم العدالة: لماذا يكذب علينا المشهد الأخير؟


المزيد.....




- تقرير يرصد رحلات شحن إماراتية بين إسرائيل وإثيوبيا على صلة ب ...
- ألمانيا تطرد دبلوماسيًا روسيًا لضلوعه في قضية تجسس.. وموسكو ...
- الولايات المتحدة: كيف كان العام الأول للرئيس ترامب بعد عودته ...
- ترامب يعلن تدشين مجلس السلام ويوقع على ميثاق تأسيسه.. ما هي ...
- الكاف يعاقب الجزائر بـ100 ألف دولار وإيقاف لاعبين
- منتدى دافوس.. تنمر أم مديح من ترامب للسيسي خلال لقائهما؟
- السودان بعد ألف يوم من الحرب .. أزمة إنسانية مأساوية وصمت دو ...
- كيف نجح الشرع بسحب الحماية الأمريكية من قسد؟ وما مستقبل أكرا ...
- طفلك يحتاج إلى هذه الكمية من الحليب يوميا لضمان نمو صحي
- صحافة عالمية: ترمب يهندس نظاما عالميا بديلا وتل أبيب تخشى -م ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية