أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - الرجل الصغير














المزيد.....

الرجل الصغير


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 08:05
المحور: الصحافة والاعلام
    


" كانت تلك اللحظة، في ظاهرها، عابرة… لكنها في حقيقتها كانت ولادتي الأولى في حضرة الكلمة."
في المرحلة الثانية من كلية الآداب، قسم الإعلام، طلب منا أستاذ مادة التحرير الصحفي الدكتور سنان سعيد - رحمه الله - أن نكتب مقالة في أي قضية نراها جديرة بالوقوف عندها، بوصفها جزءًا من الامتحان الشهري. كان الأمر يبدو بسيطًا في صيغته، لكنه بالنسبة لي كان امتحانًا آخر، أعمق من الدرجات: امتحان الشغف، واختبار الجرأة، ومحاولة أولى لأن أقول ما أؤمن به دون مواربة.
في تلك الأيام كانت وسائل الإعلام العالمية تضج بأخبار زيارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى الاتحاد السوفيتي، ولقائه بالرئيس ميخائيل غورباتشوف. قمة نووية مصيرية، تتعلق بمصير العالم، وباحتمالات السلام أو الخراب. غير أن ما استوقفني، وأثار داخلي دهشة مشوبة بالغضب، أن كثيرًا من وسائل الإعلام انشغلت بتفاصيل ثانوية عن زوجة الرئيس الأمريكي، وأزيائها، ونشاطاتها الاجتماعية، أكثر من انشغالها بجوهر القمة نفسها.
شعرت أن هناك سلامًا يُصنَّع بالكلمات، ويُسوَّق بالصور، بينما الحقيقة تُدفن في الهامش. هكذا وُلد عنوان مقالتي: السلام الكاذب.
كتبتها بروح ساخرة، لكنها مشبعة بالأسئلة. سخرت من هذا الانقلاب الغريب في سلم الأولويات، حيث يتحول مصير البشرية إلى خبر ثانوي، وتصبح الأزياء والابتسامات عناوين رئيسية. لم أكن أبحث عن إثارة، بل عن صرخة صغيرة في وجه هذا العبث الإعلامي.
سلّمت المقالة، ومضت الأيام، ولم أكن أتوقع أكثر من علامة جيدة.
في أحد الدروس، فاجأني الأستاذ سنان سعيد – رحمه الله – وهو يناديني أمام الطلبة: " أيها الرجل الصغير…"
تجمدت في مكاني. لم أفهم في اللحظة الأولى إن كان الوصف مدحًا أم مزاحًا أم عتابًا. ثم تابع حديثه وهو يبتسم، متحدثًا عن مضمون المقالة، وعن جرأتها، وعن وعي كاتبها بما وراء الخبر.
عندها فقط أدركت أن اللقب لم يكن تصغيرًا، بل كان تكبيرًا من نوع آخر.
اقترب مني بعد المحاضرة، وأهداني أحد مؤلفاته. فتح الصفحة الأولى، وكتب إهداءً بخط يده:
إلى الكاتب النحرير…
توقفت طويلًا عند الكلمتين. كاتب… نحرير. بحثت في القاموس لمعنى ادق لمفردة " نحرير " معناها الكاتب الفَطِن، العالم، الحاذق، والماهر جداً في علمه وكتابته .. يا اللهي .. صرخت من هول المعنى . لم تكن مجرد عبارة، بل شهادة ميلاد.
أمسكت بالكتاب كما يُمسك المرء كنزًا نادرًا. خرجت أعرضه على زملائي بفرح لا يشبه أي فرح آخر. لم يكن فخرًا بالكتاب بحد ذاته، بل بما حمله من اعتراف مبكر بأنني أسير في الطريق الصحيح.
منذ تلك اللحظة، أدركت أن الكلمة ليست هواية عابرة، بل قدر. وأن سطرًا صادقًا قد يفتح بابًا واسعًا للحياة. وأن أستاذًا مؤمنًا بطلبته يمكن أن يصنع مستقبلًا بكلمة تشجيع.
مرت سنوات طويلة، وتغيرت أشياء كثيرة، لكن صورة الأستاذ سنان سعيد وهو يناديني " أيها الرجل الصغير" ما زالت تسكن ذاكرتي، بوصفها واحدة من أنقى لحظات الامتنان في حياتي.
كانت لحظة بسيطة… لكنها كانت بداية حكاية طويلة مع الصحافة، ومع الكلمة، ومع الإيمان بأن الكتابة موقف قبل أن تكون مهارة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى


المزيد.....




- سوريا.. فيديو لطيفة الدروبي وأسلوب دخولها بجانب زوجها لمعرض ...
- فيديو شن أمريكا لغارة على قارب جديد بشرق المحيط الهادئ أسفرت ...
- شاهد أول ما قاله فلسطينيون لحظة دخولهم غزة عبر معبر رفح
- ماذا نعرف عن كتاب -حقائق العالم- الذي أعلنت CIA التوقف عن إص ...
- كيف يمكنك تحسين لياقتك دون ملابس خاصة أو عضوية في نادٍ رياضي ...
- لماذا هوى سعر البيتكوين إلى أدنى مستوى له منذ عودة ترامب للس ...
- هل تُشكّل -علاقة ماندلسون بإبستين- بداية النهاية لرئيس الوزر ...
- ترامب يدعو إلى معاهدة نووية جديدة -محسنة ومحدثة- مع روسيا بع ...
- بعد انتهاء جولتها الأولى.. مباحثات جديدة مرتقبة بين روسيا وأ ...
- الكونغرس يدير ظهره للمتعاونين الأفغان وينهي تأشيراتهم


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - الرجل الصغير