أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الشيب بوصفه سيرة خفية للألم














المزيد.....

الشيب بوصفه سيرة خفية للألم


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:44
المحور: الادب والفن
    


لم أسكت لأن السؤال كان عابراً، بل لأن الإجابة أثقل من أن تُقال بلا ارتجاف. سألتني عن شيبي، فقلت لها: هذا الشيب ليس عمراً. ليس تقويماً يعلّق سنواته على الجبين، ولا عدّاداً لمرور الوقت. هذا الشيب ثمن. ثمن جراحات لم تلتئم كما ينبغي، وآلام عبرت الروح ومكثت، وهموم مرّت ولم تمرّ حقاً، بل تركت آثارها شعراً أبيض، ودموعاً جافة، وآهات لم تسمعها سوى أرواحنا المتعبة.
الشيب لا يولد فجأة، ولا ينبت من فراغ. إنه خلاصة صمت طويل. كل خصلة بيضاء تحمل حكاية لم تُروَ، واعترافاً تأجّل، وانكساراً تمّ ترميمه على عجل. هو توقيع خفي للخذلان حين يختار الإنسان أن يبتلع أوجاعه كي لا يثقل بها الآخرين، وأن يواصل الوقوف رغم تصدّعات الداخل.
في المرايا، لا أرى تقدّم العمر بقدر ما أرى تراكم التجارب. أرى وجوهاً رحلت وتركت في القلب فراغاً بارداً، ووعوداً وُضعت على رف الانتظار حتى نسيها الزمن، وأحلاماً نضجت قبل أوانها ثم ذبلت. أرى قرارات اتُّخذت بدافع الشجاعة، ودُفعت أثمانها لاحقاً من الروح. كل ذلك يتحوّل، بصمت كيمياء قاسية، إلى لون أبيض يعلن حضوره بلا ضجيج.
الشيب أيضاً ذاكرة الجسد حين يعجز اللسان. هو شهادة على ليالٍ طويلة بلا نوم، وعلى صباحات بدأت مثقلة قبل أن تبدأ. شهادة على محاولات التماسك، وعلى ابتسامات أُتقنت لتخفي هشاشة اللحظة. ليس في الشيب حكمة جاهزة، بل مرارة مصقولة، ونضج مؤلم، ومعرفة بأن بعض الخسارات لا تُسترد، وبعض الأسئلة لا جواب لها.
وحين قلت لها إن الآهات لم تسمعها سوى أرواحنا المتعبة، كنت أعني ذلك حرفياً. فهناك آلام لا تصل إلى الأذن، ولا تحتمل لغة. آلام تُعاش وحدها، وتُدفن في العمق، ثم تعود على هيئة علامة مرئية، كأن الجسد يصرّ على ألا تضيع القصة تماماً.
لهذا، لا أسأل الشيب أن يعود إلى سواده، ولا أعتذر له. أتعامل معه باعتباره وثيقة شخصية، مختومة بما مرّ. هو ليس ضعفاً، ولا استسلاماً. هو أثر مقاومة طويلة، ودليل بقاء. ومن يسأل عنه، فليعلم أنه لا يسأل عن العمر، بل عن ثمن الحياة كما عشناها، بلا تزويق، وبقلبٍ دفع أكثر مما قال.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة
- الهجر حين يفقد دهشته


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - الشيب بوصفه سيرة خفية للألم