عماد الطيب
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 20:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تتحول الدولة في ما يمكن تسميته بـ«دولة الورق»، من كيان فاعل إلى أرشيف ضخم، تُدار فيه الحياة بالبيانات الختامية والقرارات المؤطرة، لا بالفعل ولا بالنتائج. كل شيء يبدو مكتملاً على الورق: استراتيجيات محكمة، خطط زمنية، لجان عليا، ومصطلحات براقة توحي بجدية الإصلاح. غير أن هذه المثالية لا تتجاوز حدود الحبر، إذ تتوقف عند أول تماس مع الواقع.
محاربة الفساد، في هذه الدولة، ليست أكثر من قرار يُتلى في المؤتمرات. تُصاغ له عبارات حازمة، وتُرفق به وعود صارمة، لكنه يظل معلقاً في فضاء التصريحات. الفساد لا يُستأصل بالقرارات بل بإرادة سياسية تُترجم إلى مساءلة حقيقية، وهو ما تغفله دولة الورق عمداً، لأنها تخشى أن يتحول القرار المكتوب إلى فعل يطال مراكز النفوذ.
الرقي الحكومي بدوره يتحول إلى صورة دعائية: واجهات أنيقة، خطابات مدروسة، ومراسيم بروتوكولية. أما الإدارة، فتبقى أسيرة الترهل والمحاصصة وغياب الكفاءة. تُستبدل الحوكمة الرشيدة بنصوص جاهزة، ويُعوّض ضعف الأداء بكثرة التعاميم، وكأن الكم الورقي قادر على سد عجز الفعل التنفيذي.
أما رفاهية العيش، فتُختزل في فقرات إنشائية عن تحسين مستوى المعيشة، بينما الواقع يشي بعكس ذلك. المواطن لا يلمس الرفاه في دخله ولا في خدماته، لأن السياسات الاقتصادية تُدار بعقلية التسكين لا المعالجة، وبمنطق الإعلان لا التخطيط طويل الأمد. تصبح العدالة الاجتماعية شعاراً محفوظاً، يُرفع عند الحاجة السياسية، ثم يُطوى مع انتهاء المناسبة.
في الزراعة والصناعة، يتجلى الخلل بأوضح صوره. خطط نهوض، ومشاريع استراتيجية، ودعم معلن… كلها لا تتجاوز كونها ملفات محفوظة في الأدراج. الأرض تُترك بلا حماية، والمصانع بلا دعم فعلي، بينما يُستعاض عن الإنتاج الحقيقي باستيراد يسد الحاجة الآنية ويعمّق التبعية الاقتصادية.
المشكلة الجوهرية في دولة الورق ليست في غياب الرؤى، بل في انفصال القرار عن التنفيذ، والسياسة عن المسؤولية. فالدولة التي تكتفي بإنتاج النصوص دون متابعة أثرها، إنما تدير الوهم لا الواقع. الإصلاح لا يبدأ بقرار مكتوب، بل بمنظومة تراقب، وتحاسب، وتقيس النتائج، وتُخضع الخطأ للمساءلة.
دولة الورق قد تنجح في خداع نفسها، لكنها تفشل دائماً في إقناع مواطنيها. فالمواطن لا يقرأ القرارات بقدر ما يعيش نتائجها، ولا يهمه جمال الصياغة بقدر ما يهمه صدق الفعل. وحين يبقى الفارق شاسعاً بين ما يُكتب وما يُنجز، تصبح الدولة غنية بالورق، وفقيرة بالثقة.
#عماد_الطيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟