أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الرمزية وصراع الإرادات














المزيد.....

كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الرمزية وصراع الإرادات


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 21:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست اللغة بريئة في الصراعات الكبرى، ولا تُترك المفردات الثقيلة للتداول العفوي حين تكون محمّلة بتاريخ، وذاكرة، ومعنى يتجاوز ظاهرها. من هذا المنطلق، فإن عبارة «جايّين لكربلاء» لا يمكن التعامل معها بوصفها انفعالًا لحظيًا أو شعارًا شعبويًا عابرًا، بل هي تعبير لغوي مكثّف عن وعيٍ عدائيّ يتشكّل منذ سنوات، ويتغذّى على مشاريع أوسع من قدرة الجماعات التي تردّده على الفعل المستقل.
التدقيق في مسار تداول هذه العبارة، وفي البيئات التي خرجت منها، يفضح حقيقة جوهرية: نحن أمام خطاب تمهيدي، يُستخدم لاختبار ردود الأفعال، وتطبيع فكرة الاستهداف، وإزاحة القدسية عن المكان في الوعي الجمعي تمهيدًا للنيل منه سياسيًا وأمنيًا ورمزيًا. فحين تُستباح اللغة، يصبح استباحة المكان لاحقًا أمرًا أقل كلفة في ميزان المخططين.
كربلاء والنجف ليستا مدينتين عاديتين في خارطة العراق، ولا نقطتين دينيتين معزولتين عن السياق الوطني. إنهما تمثلان، تاريخيًا وواقعيًا، مركز الثقل الروحي للتشيّع، وركيزتين من ركائز الهوية العراقية المركّبة. من هنا، فإن أي مشروع يستهدفهما لا ينطلق من منطلق ديني صرف، بل من حسابات سياسية عميقة، ترى في ضرب الرمزية الدينية وسيلة فعّالة لإعادة تشكيل التوازنات داخل العراق، وإضعاف قدرته على الإمساك بمفاصل قراره السيادي.
الخطورة الحقيقية لا تكمن في العصابات المارقة التي تُدفع إلى الواجهة، بل في العقل الذي يديرها من الخلف، ويمنحها السرديات والشعارات والغطاء الإعلامي. التجارب السابقة في العراق والمنطقة تؤكد أن الجماعات المتطرّفة لا تتحرك في الفراغ، بل تُستخدم كأدوات خشنة ضمن مشاريع ناعمة، ظاهرها صراع مذهبي أو أيديولوجي، وباطنها إعادة توزيع نفوذ، وكسر إرادات، وإشغال الدول من داخلها.
في هذا السياق، يصبح استهداف كربلاء والنجف محاولة واعية لكسر العمود الفقري المعنوي للدولة العراقية. فحين يُضرب الرمز، يختلّ الميزان النفسي للمجتمع، وتُفتح أبواب الفوضى على مصاريعها. وهذه بالضبط هي الغاية التي تسعى إليها قوى تعرف جيدًا أن العراق، رغم كل ما مرّ به، ما زال يحتفظ بمخزون صلابة كامنة في وعيه الجمعي، وفي علاقته الخاصة بمقدّساته.
غير أن هذه القوى وقعت في خطأ استراتيجي فادح: التقليل من وعي الجيل العراقي الجديد. شباب العراق اليوم ليسوا أبناء لحظة معزولة، بل نتاج أربعة عقود من الصدمات، من الحروب إلى الحصار، ومن الإرهاب إلى الانهيارات الاقتصادية. هذا التراكم القاسي أنتج وعيًا حادًا، لا ينخدع بسهولة بالشعارات، ويدرك أن المساس بكربلاء والنجف ليس مسألة طائفية، بل قضية سيادة وطنية بامتياز.
لقد أدرك العراقيون، خصوصًا الشباب، أن المراكز الدينية الشيعية ليست ملكًا لفئة أو مذهب، بل تمثل جزءًا من الكيان العراقي نفسه. الاقتراب منها بنية العبث يعني إعلان مواجهة مع العراق كدولة ومجتمع، لا مع جماعة بعينها. ولهذا تحوّلت هذه المراكز إلى خطوط حمراء حقيقية، لا تُرسم بالحبر على الورق، بل بالوعي والاستعداد الجماعي للدفاع عنها.
التحليل العميق يفرض علينا أيضًا الانتباه إلى أن المعركة لم تعد عسكرية فقط. إنها معركة سرديات، وعي، وإعلام، ومحاولات دؤوبة لإعادة تعريف المقدّس بوصفه عبئًا أو تهديدًا. هنا تكمن مسؤولية النخب، والمؤسسات الثقافية، والإعلامية، في تفكيك هذا الخطاب قبل أن يتحول إلى أمر واقع، وفي كشف البنية السياسية التي تقف خلفه، بدل الاكتفاء بإدانة نتائجه.
كربلاء والنجف ستبقيان عصيّتين على مشاريع العبث، لا لأنهما محاطتان بالسلاح وحده، بل لأنهما محاطتان بإرادة شعبية تعرف جيدًا أن التفريط بالرمز هو بداية التفريط بالوطن. ومن يعتقد أن الطريق إلى العراق يمر عبر كسر قدسيته، لم يقرأ تاريخ هذا البلد، ولم يفهم أن العراق قد ينحني تحت الضغط، لكنه لا ينكسر.
هذه ليست نبوءة عاطفية، بل خلاصة تجربة. فالعراق الذي أفشل مشاريع أخطر، قادر اليوم، بوعي أبنائه، على إفشال كل محاولة تُدار في الخفاء، مهما تعددت خيوطها، وتغيّرت وجوه منفذيها.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف
- حين يصبح الأمل بيننا شكلًا آخر من الخذلان
- ذاكرة باردة


المزيد.....




- نقشة النمر..هكذا أطلّت ميلانيا ترامب برفقة الرئيس الأمريكي ب ...
- الجيش الأمريكي يُعلن مقتل 4 من أفراد طاقم طائرة تزوّد بالوقو ...
- صراع النصر والنفط.. مستشارو ترامب ينقسمون حول كيفية إنهاء حر ...
- الجيش الأميركي يؤكد مقتل أربعة من طاقم طائرة التزود بالوقود ...
- هجوم على كنيس في ميشيغان: المنفذ لبناني فقد عائلته في غارة ل ...
- نقوش الوجوه على شواهد القبور تحفظ الذكريات حية في باكستان
- إيران تُحيي -يوم القدس- بأول اختبار شعبي للقيادة الجديدة بعد ...
- العراق ... مقتل أربعة جنود أمريكيين وآخر فرنسي
- صواريخ إيرانية تستهدف إسرائيل وانفجارات قوية تهزّ طهران
- مقتل 4 عسكريين في تحطم طائرة تزود بالوقود فوق العراق


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الرمزية وصراع الإرادات