أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عودة الى المربع الأول














المزيد.....

عودة الى المربع الأول


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


عاد كلّ شيء إلى المربّع الأوّل، لا بوصفه نقطة بداية، بل كخسارة مكتملة الأركان. كأن الزمن استدار علينا بسخرية، وأعادنا إلى اللحظة التي لم نكن نخشاها لأننا لم نتخيّل يومًا أنها ستكون المصير. انتهى زمن الأحلام لا لأنه تحقق، بل لأنه استُنزف، تآكل بصمت، ومات واقفًا دون شاهد أو عزاء. الأحلام التي كنا نعلّقها مثل مصابيح صغيرة على جدار الغد، انطفأت دفعة واحدة، وتركَت العتمة أكثر صدقًا من أي وعد.
غربت الشمس، لا كما تغرب كل مساء، بل غيابًا نهائيًا، كأنها قررت ألا تعود. لم يكن هناك شروق سابق يمكن التمسك بذكراه، فقط غيوم سوداء داكنة، ثقيلة، تتكدّس فوق القلب، وتُقنعه أن الضوء كان مجرّد سوء فهم. السماء نفسها بدت متواطئة، صامتة، كأنها تعرف الحكاية كاملة وتفضّل ألا تتدخّل.
كل شيء صار صفحة خالية من السطور. ليست بيضاء بمعنى النقاء، بل خاوية، مُنهكة، فقدت شهية الكتابة. الكلمات جرّبت أن تولد، لكنها خرجت مشوّهة، ناقصة، عاجزة عن الوقوف وحدها. اللغة التي كانت ذات يوم ملاذًا، صارت عبئًا، وصار الصمت أكثر فصاحة منها. حتى الحروف بدت متعبة، وكأنها تعبت من محاولات الترميم الفاشلة.
كان هناك نبع ماء، أو هكذا اعتقدنا. نبع كنا نعود إليه كلما اشتد العطش، نثق بأن فيه ما يكفي للاستمرار. لكنه جفّ، لا فجأة، بل تدريجيًا، حتى تعوّدنا على قاعه اليابس دون أن ننتبه إلى اللحظة التي انتهى فيها الماء. الجفاف لم يكن في النبع وحده، بل في الإحساس، في الرغبة، في القدرة على الانتظار.
رحلتِ… والرحيل هنا ليس فعل مغادرة، بل عملية تفريغ كاملة. خرجتِ من المشهد، وتركته بلا توازن. لم تأخذي معك الأشياء، بل أخذتِ معناها . الطريق ما زال موجودًا، لكنه لم يعد يؤدي إلى أي مكان. حتى الذكريات بدت مرتبكة، لا تعرف إن كانت عزاءً أم عبئًا إضافيًا.
خلفك كان الخراب هادئًا، لا ضجيج فيه ولا دموع ظاهرة. فوضى صامتة، أشبه بغرفة أُغلقت أبوابها بعد شجار طويل. كل شيء في غير موضعه، وكل محاولة للترتيب تزيد الإحساس بالخسارة. القلب، الذي كان يعرف إيقاعه، صار يعمل بعادة قديمة، دون قناعة، دون شغف، فقط لأنه لم يتعلّم التوقّف.
أما الكلمات، فقد أُصيبت بالعقم. لا فكرة تنضج، ولا جملة تكتمل. كل ما يُكتب يبدو مكرورًا، مستهلكًا، كأنه قيل من قبل آلاف المرات دون أن يُسمَع. الحزن هنا ليس انفجارًا، بل حالة مستقرة، راسخة، أنيقة في قسوتها. حزن لا يطلب الشفقة، ولا يلوّح بيده، لكنه يجلس في الداخل بثقة، كأنه صاحب المكان.
هكذا تبدو النهاية حين لا تُعلن نفسها بوضوح. لا دموع درامية، ولا وداع طويل، فقط إحساس ثقيل بأن شيئًا ما انتهى إلى غير رجعة. وأن العودة إلى المربّع الأوّل لا تعني فرصة جديدة، بل تعني الاعتراف بأن الرحلة كلّها كانت محاولة جميلة، لكنها خاسرة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب
- خارج اسوار الصحيفة .. داخل المعنى
- جمال الله
- اقتصاد يعاقب الفقراء
- المثقف والسلطة: تاريخ القطيعة المزمن
- امرأة بلا هوامش
- الخيال امرأة
- امرأة تحرس وهمها بعنف


المزيد.....




- مصر.. آخر تطورات الحالة الصحيّة للفنان سامح الصريطي
- غدا.. إطلاق المنحة المالية للصحفيين والأدباء والفنانين
- فيلم -الرحمة-.. كيف تفكر بقلبك في عالم بلا قلب؟
- التفكير الإيجابي ليس وصفة سحرية.. هل خدعتنا ثقافة التحفيز؟
- فيلم معركة تلو الأخرى يحصد 14 ترشيحا لجوائز بافتا
- معطف بلاستيكي وحذاء مفتوح الأصابع.. إطلالات غريبة للمشاهير ع ...
- صوت هند رجب يصل إلى الأوسكار.. تجربة سينمائية عربية تتجاوز ا ...
- غوتيريش: إصلاح مجلس الأمن بات ضرورة ملحة لتعزيز التمثيل والف ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عودة الى المربع الأول