أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - رفيق الحبر والظل














المزيد.....

رفيق الحبر والظل


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 11:15
المحور: سيرة ذاتية
    


في أيام الكلية، حيث كانت الأرواح تتشكّل على مهل، والملامح الأولى للوعي تتلمّس طريقها وسط ضجيج الشباب وأسئلة المستقبل، كان لي زميل وصديق لا يشبه الآخرين. لم تجمعنا الصدفة وحدها، بل جمعنا ذلك الخيط الخفي الذي يصل بين الأرواح المتآلفة، كأننا خُلقنا من مادة واحدة، أو كأن أفكارنا خرجت من رحم واحد ثم افترقت لتلتقي من جديد.
كان اسمه عبد الهادي محمود… اسمٌ بسيط في حروفه، عميق في دلالته، يختصر حكاية صداقة تشكّلت على مهل، ونمت على أرضية من الفهم والانسجام.
كنا متشابهين في كل شيء تقريبًا، حتى في صمتنا. نفهم بعضنا بالإشارة، وبنصف كلمة، وأحيانًا بنظرة عابرة تختصر جملة كاملة. كان الحديث بيننا مساحة للراحة، وفسحة للدهشة، ولعبة ذكية من التعليقات الطريفة التي تولد من عمق الفهم لا من سطح المجاملة. لم يكن الحوار استعراضًا للغة، بل مشاركة حقيقية للروح.
وإن افترقنا يومًا، كان كل واحد منا يسأل عن الآخر قبل أن يسأل عن نفسه. غياب أحدنا كان يبدو خللًا في النظام اليومي، كأن مقعدًا فارغًا يربك القاعة كلها. لم نكن نحتاج إلى مواعيد ثابتة، لأن حضورنا في حياة بعضنا كان ثابتًا بطبيعته.
كنا نقرأ بشغف لا يعرف الملل؛ روايات تفتح لنا نوافذ على عوالم بعيدة، وكتب ثقافية وفلسفية تضعنا وجهًا لوجه مع الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ولماذا نكتب؟ وما معنى أن نحيا بوعي؟ كانت القراءة طقسًا مشتركًا، وملاذًا نلوذ إليه كلما ضاقت بنا الحياة.
أما عبد الهادي محمود، فكان يمتلك موهبة نادرة: أسلوبه الأدبي طغى على أسلوبه الصحفي، فصار نصه كائنًا هجينًا جميلًا، يجمع دقة الخبر ودفء اللغة، صرامة الفكرة ورهافة التعبير. يستخدم المفردة الأدبية لا للزينة، بل ليمنح المعنى جناحين. كانت كلماته تمشي بثبات، لكنها تترك خلفها أثرًا من الضوء.
كان مشجعًا حقيقيًا في مضمار الكتابة، لا يكتفي بالتصفيق، بل يدخل إلى النص، يفككه، يعيد تركيبه، يصحح الأخطاء، ويشير إلى مكامن القوة قبل الضعف. نقده لم يكن قاسيًا، بل عادلًا، ومنحازًا للنص لا للكاتب. لهذا كان عدد من الزملاء يستشيرونه في كتاباتهم، ويثقون برأيه كما يثقون ببوصلة في بحر متلاطم.
وجوده في القسم كان أشبه بحضور مكتبة حيّة، أو ورشة دائمة للأفكار. لا يرفع صوته كثيرًا، لكن أثره كان عاليًا. لا يفرض نفسه، لكنه يفرض احترامه بهدوء.
اليوم، حين أستعيد صورته، أدرك أن بعض الأشخاص لا يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، بل يتركون فيها توقيعًا دائمًا. هو واحد من أولئك الذين علّمونا أن الصداقة ليست كثرة اللقاء، بل عمق الأثر، وأن التشابه الحقيقي لا يكون في الملامح، بل في طريقة النظر إلى العالم.
كان عبد الهادي محمود رفيق الحبر والظل، صديق الأيام الأولى، وأحد الأسماء التي كلما مرّت في الذاكرة، مرّ معها شعور دافئ يقول: ما زال في الحياة ما يستحق الامتنان.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد
- الوجع الجميل في الذاكرة
- ما تبقى بعد الحب


المزيد.....




- من هو فلاديمير أليكسييف.. الجنرال الروسي المستهدف بإطلاق الن ...
- لماذا أغلقت إيكيا هذه المتاجر المزدحمة في الصين؟
- السفيرة الفلسطينية في الإمارات: أبوظبي قدمت أكثر من 45% من ا ...
- سياسة العصا والجزرة-.. أمريكا تقدم مساعدات إنسانية لكوبا وتح ...
- القصة الحقيقية لمصطلح -جمهوريات الموز-.. كيف ومتى ظهر؟
- مشاركة عزاء للرفيق الدكتور عصام الخواجا بوفاة خاله المرحوم ع ...
- ملفات خلافية في -محادثات الفرصة الأخيرة- بين إيران والولايات ...
- مفاوضات أبو ظبي تشي بأن طريق إنهاء الحرب في أوكرانيا لايزال ...
- قلق بين الإيرانيين في طهران: بين الأمل بتغيير النظام والخشية ...
- تعزيز قدرات الجيش اللبناني يتصدر زيارة بارو لبيروت وسط ضغوط ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - رفيق الحبر والظل