أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - شيخوخة هادئة على حافة الصمت














المزيد.....

شيخوخة هادئة على حافة الصمت


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 18:41
المحور: الادب والفن
    


بعد التقاعد، لم أبحث عن ضجيج جديد يعوّض ما انطفأ، ولم أفتّش عن وجوه تملأ فراغ السنين، بل اخترتُ أن أعود إلى أبسط صيغة للوجود: غرفة صغيرة، ورفوف كتب، ونافذة نصف مفتوحة على صمتٍ يشبهني. هنا، لا أحد يسألني لماذا تأخرت، ولا أحد يطالبني بتبرير التعب. هنا أكون كما أنا، بلا أقنعة، بلا مجاملات، بلا حاجة لأن أبدو أكثر قوة مما أشعر.
في هذه الغرفة، صادقتُ أفكاري. صارت تجلس قبالتي كل مساء، نتبادل نظرات طويلة بلا كلام. أفكار لا تجادلني، لا تخونني، لا ترحل فجأة. تعرف متى تقترب، ومتى تتركني وحيداً دون أن تجرحني. تعلّمتُ معها أن الوحدة ليست دائماً عقاباً، بل قد تكون شكلاً راقياً من أشكال السلام.
أحب الهدوء، لا لأنه يخلو من الأصوات، بل لأنه ممتلئ بالمعنى. في الصمت أسمع ما عجزت عن سماعه طوال ستين عاماً: صوت قلبي وهو يتعب، وصوت روحي وهي تطلب استراحة. اكتشفتُ متأخراً أن كثرة الكلام كانت أحياناً ستاراً للهروب، وأن الضحك لم يكن دائماً دليلاً على الفرح، وأن الخصام كان في كثير من الأحيان عجزاً عن الفهم.
ستون عاماً وأنا أتحدث مع هذا وذاك، أختلف، أتصالح، أضحك، أغضب، أعود، أبتعد. ستون عاماً من محاولات مستمرة لأن أكون مقبولاً، مفهوماً، مرئياً. واليوم، لم تعد لديّ تلك الرغبة الملحّة. اكتفيتُ بأن أكون موجوداً فقط، بلا ضجيج يعلن حضوري، وبلا جمهور ينتظر مني شيئاً.
أعيش الآن على أنغام مرتّبتي ووسادتي. صوت القماش وهو يحتضن جسدي المتعب، ورائحة الكتب القديمة، وضوء خافت يتسلل من مصباح صغير. تفاصيل بسيطة، لكنها صادقة. لا تخون، لا تبتسم كذباً، لا ترحل فجأة.
لا أقول إنني كرهت البشر، لكنني تعبت من محاولات فهمهم. تعبت من سوء الظنون، ومن الكلمات التي تُقال وتُقصد عكسها، ومن الوعود التي تولد ميتة. اخترتُ مسافة آمنة بيني وبين الجميع، مسافة لا تؤذي أحداً ولا تؤذيني.
في وحدتي حزن، نعم… لكنه حزن ناضج، هادئ، يشبه رجلاً شابت روحه قبل شعره. حزن لا يصرخ، لا يطالب، لا يتوسل. حزن يجلس بهدوء في زاوية القلب، يراقب الحياة وهي تمرّ دون أن يمدّ يده لإيقافها.
أتمنى أن يدوم هذا السلام الصغير. أن أبقى قادراً على الاكتفاء بالقليل، وأن أظل ممتناً لهذه العزلة التي لم تأتِ هرباً، بل جاءت اختياراً. فبعد كل ما عشته، لم أعد أبحث عن حياة صاخبة… بل عن نهاية هادئة، تشبه هذه الغرفة، وتشبهني.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق
- تعالي… قبل أن أتعافى منك
- ليست أخطاء حكم… بل هندسة غضب وتهريب مسؤولية
- اصنامنا البشرية
- من الخبر إلى المسؤولية: امتحان النزاهة في الخطاب الإعلامي
- اقتصاد الترقيع: الضرائب بديلاً عن مواجهة الفساد


المزيد.....




- هندسة الرواية: كيف يُستخدم -بعبع- بوتين للتغطية على فضائح نخ ...
- العراق يستدعي السفير التركي احتجاجا.. وأنقرة تتحدث عن «سوء ت ...
- بعد سنوات من -المنع-.. مكتبات الرصيف بمعرض دمشق للكتاب والمن ...
- الحكومة تريد الاسراع في تطبيق شرط اللغة للحصول على الجنسية ا ...
- أخبار اليوم: السجن 12 عاما لوكيلة فنانين تركية بتهمة -قلب نظ ...
- تركيا.. وفاة الممثل كانبولات جوركيم أرسلان عن عمر ناهز الـ45 ...
- متحف -نابو-.. ذاكرة ثقافية قد تنقذ ما عجزت عنه السياسة في لب ...
- نجم -المؤسس عثمان-.. الموت يغيب الممثل التركي كانبولات أرسلا ...
- منع وغرامات.. -البلوغرز- بمرمى نقابة المهن التمثيلية في مصر ...
- هل فقدت كتب المعرفة جاذبيتها بعد تراجع مبيعاتها؟


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - شيخوخة هادئة على حافة الصمت