أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حين يذبل العمر ويبقى العطر














المزيد.....

حين يذبل العمر ويبقى العطر


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 15:53
المحور: الادب والفن
    


ها هي الأيام تمضي كأنها تقرض من أعمارنا قِطعًا صغيرة لا نشعر بها إلا حين نتوقف فجأة وننظر خلفنا، فنجد أن الطريق الذي عبرناه أطول مما تخيلنا، وأن ما تبقى لنا أقل مما كنا نظن. كأن الزمن لا يمشي معنا، بل يأخذنا معه دون استئذان، يسرق من وجوهنا ملامحها الأولى، ومن قلوبنا اندفاعها البكر، ويترك لنا شيئًا واحدًا فقط: الذكريات.
لكن أي ذكريات؟ تلك التي لفّها النسيان برفق، كأنها تخشى أن تؤذينا إن حضرت كاملة. ذكريات باهتة، مكسوّة بشيء من الغبار، لكنها رغم ذلك لا تزال تنبض، لا تزال قادرة على أن توقظ فينا رعشة قديمة، وحنينًا لا يُقاوم.
نصل في نهاية المطاف إلى أيامنا الأخيرة، لا لأننا انتهينا، بل لأننا بدأنا نفهم. نفهم أن الحياة لم تكن كما ظننا، وأن ما سعينا إليه طويلاً لم يكن هو الأهم. نحتضن المرض أحيانًا، ليس حبًا فيه، بل لأنه يذكرنا بضعفنا، بإنسانيتنا. ونحتضن الحنين، لأنه الشيء الوحيد الذي يمنحنا دفئًا حين يبرد كل شيء حولنا.
وصور الزمن الجميل… تلك التي كانت يومًا حاضرة، صاخبة، مليئة بالحياة، أصبحت الآن مجرد أطياف، تمر أمام أعيننا بصمت، كأنها تخشى أن تزعج هذا السكون الثقيل الذي يسكننا.
اليوم، وأنا أقف في حديقتي، أتأمل نبات النعناع الذي تحبينه، لم يكن الأمر مجرد تأمل لنبتة خضراء. كان استدعاءً كاملًا لكِ. كأن النعناع لم يكن نباتًا، بل ذاكرة مزروعة، تنمو كلما سقيتها بالماء، وتكبر كلما مرّ عليها طيفك.
تذكرتكِ… ليس كفكرة عابرة، بل كحضور كامل. وجهكِ البريء الذي كان يشبه صباحًا لم يتعلم القسوة بعد. وضحكتكِ… تلك التي لم تكن مجرد صوت، بل كانت حالة، كانت وطنًا صغيرًا ألوذ به حين تضيق بي الدنيا.
ابتسمت دون أن أشعر. ثم فجأة، تاهت يداي عني، كأنهما لم تعودا ملكي، كأن الحنين صار أقوى من إرادتي. امتدّت نحو النعناع، وقطفت عودًا منه، ببطء، برفق، كأنني أخشى أن أؤلمه… أو ربما أخشى أن أوقظ في داخلي شيئًا لا أستطيع إيقافه.
قرّبت العود من شفتيّ. تذوقته. وفي تلك اللحظة… لم يكن نعناعًا.
كان أنتِ.
كان طعمكِ الذي لم أنسه، كان ذلك الإحساس الذي لا يُوصف، كأنني سرقت من الزمن لحظة قديمة، وأعدت عيشها دون إذنه. شعرت وكأنني قبلتك، لا كذكرى، بل كحقيقة عادت للحياة، ولو لثوانٍ.
هل تعلمين؟ بعض الأشياء لا تموت. لا يهم كم مرّ من الوقت، ولا كم حاولنا أن ننسى. هناك أشياء تظل كامنة فينا، تنتظر لحظة بسيطة… رائحة، صوت، مكان، أو حتى نبتة نعناع، لتعود بكل قوتها، كأنها لم تغب يومًا.
الحب، مثلًا… لا يشيخ كما نظن. قد يهدأ، قد يصمت، قد يختبئ خلف مشاغل الحياة، لكنه لا ينتهي. يظل هناك، في زاوية ما من القلب، حيًا، يتنفس بصمت.
وأنتِ… لم تكوني مجرد ذكرى عابرة في حياتي، بل كنتِ تلك اللحظة التي جعلتني أفهم معنى أن يشعر الإنسان بغيره، أن يذوب فيه، أن يرى نفسه فيه.
ربما لن تعودي. وربما لن أراكِ مرة أخرى. وربما سيأخذ الزمن ما تبقى مني كما أخذ ما مضى.
لكن يكفيني أنني، في لحظة عابرة، وبين أوراق النعناع، استطعت أن ألتقي بكِ مجددًا. استطعت أن أعيشكِ، لا كحلم، بل كإحساس حقيقي.
وهذا…أكثر مما يمنحه العمر أحيانًا.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه


المزيد.....




- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حين يذبل العمر ويبقى العطر