أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة














المزيد.....

عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 22:35
المحور: الادب والفن
    


تتناقل الثقافة الشعبية في روسيا مثلاً شاعرياً يقول: «عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة ». قد يبدو هذا القول بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله طبقات من المعنى، لأن بغداد ليست مدينة عادية في المخيال الإنساني؛ إنها مدينة تختلط فيها العظمة بالألم، والضياء بالندوب، والبهاء بذاكرة طويلة من الحروب والحنين. لذلك حين يشبه الروس عيون امرأة ببغداد، فهم لا يقصدون مجرد الجمال، بل يقصدون ذلك الجمال الذي يولد من الحزن، ويزداد عمقاً كلما مرّ عليه الزمن.
العيون التي تشبه بغداد ليست عيوناً ساكنة أو باردة، بل عيون تحمل تاريخاً. فيها شيء من دجلة حين يمر هادئاً لكنه يخفي في أعماقه أسرار المدن. وفيها شيء من الأزقة القديمة التي تحفظ خطى العابرين حتى بعد أن يختفوا. تلك العيون تشبه مدينة عاشت كثيراً، وتألمت كثيراً، لكنها لم تفقد قدرتها على الإشعاع.
ربما لهذا السبب يلتصق الحزن أحياناً بالجمال التصاقاً غريباً. فالجمال الكامل الذي لا يعرف الخدش قد يبدو بارداً، كلوحة مصقولة لا روح فيها. أما الجمال الذي مرّ عليه الألم، فإنه يكتسب عمقاً آخر؛ عمق التجربة والذاكرة. بغداد نفسها مثال حي على ذلك. فهي مدينة كلما حاولت النهوض من رمادها اكتشفت أن رمادها ذاته صار جزءاً من هويتها.
حين يقال لامرأة إن عينيها مثل بغداد، فذلك ليس مجرد غزل عابر. إنه اعتراف بأن في عينيها مدينة كاملة: طرقاً طويلة من الذكريات، ونوافذ مفتوحة على الحنين، وظلالاً من قصص لم تُحكَ بعد. في تلك العيون قد ترى فرحاً خجولاً يشبه صباحات الربيع على ضفاف دجلة، وقد ترى حزناً شفيفاً يشبه غروباً قديماً فوق أسطح البيوت البغدادية.
اللافت في هذا المثل أنه يأتي من ثقافة بعيدة جغرافياً، ومع ذلك استطاع أن يلتقط جوهر بغداد. فروسيا، بمدنها الباردة وشتائها الطويل، تعرف جيداً كيف يمكن للحزن أن يتحول إلى شعر. الأدب الروسي نفسه مليء بشخصيات تحمل جمالاً مكسوراً، جمالاً يتوهج رغم الألم. ربما لهذا وجد الروس في بغداد صورة مثالية لهذا التناقض الإنساني العميق.
فبغداد، مثل العيون الحزينة، لا تُقرأ من النظرة الأولى. تحتاج إلى تأمل طويل كي تفهمها. تحتاج إلى أن تمشي في تاريخها، وتستمع إلى همسات بيوتها القديمة، وتشاهد كيف يختلط الضوء بالظل في تفاصيلها. وكذلك العيون التي تشبه بغداد؛ لا تكشف أسرارها بسهولة، بل تتركك تبحث فيها عن قصة، ثم عن قصة أخرى.
أجمل ما في هذا التشبيه أنه يعترف بأن الحزن لا يفسد الجمال، بل قد يمنحه بعداً إنسانياً أصدق. فالعيون التي لم تبكِ يوماً قد تبدو براقة، لكنها لا تلمس القلب. أما العيون التي مرّ فيها الحزن مثل سحابة خفيفة، فإنها تكتسب صفاءً غريباً، يشبه صفاء مدينة نجت من العواصف وبقيت واقفة.
وهكذا يتحول المثل الروسي إلى صورة إنسانية واسعة: بغداد ليست مجرد مكان، بل استعارة للجمال الذي لا يستسلم، وللروح التي تظل قادرة على الإشعاع رغم التعب. ولذلك فإن القول إن «العيون مثل بغداد حتى في الحزن حلوة » ليس مجرد مجاملة شاعرية، بل هو وصف لذلك النوع النادر من الجمال… الجمال الذي لا يخاف الحزن، لأنه يعرف أن الحزن نفسه قد يكون أحد أسرار الضوء.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة


المزيد.....




- تحديات التعليم العالي في مرآة كتاب
- الفنان مرتضى حنيص: نشهد تقدما في اعمال الدراما ولدينا مخرجون ...
- موسم جوائز يمكن وصفه بالفوضوي يسبق حفل الأوسكار الـ98
- هرر ذات الـ82 مسجدا.. مدينة إثيوبية يستعد أهلها لرمضان بـ-غس ...
- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...
- إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور ...
- رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة ...
- السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة