أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة














المزيد.....

ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 02:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في كل مجلس تقريباً، ثمة شخص يبدأ حديثه بلقبه، أو يعيد التذكير به عند كل منعطف في الحوار. يفعل ذلك بثقة ظاهرة، وكأنه يخشى أن يتسرب اسمه مجرداً من صفته إلى آذان الحاضرين. المشكلة ليست في الاعتزاز بالتجربة، فالاعتزاز حق مشروع، بل في الخلط بين التجربة والهوية، بين الوظيفة والذات.
الوظيفة إطار تنظيمي، عقد بين الفرد والمؤسسة، دور محدد بصلاحيات ومسؤوليات. أما الهوية فهي مساحة أوسع: منظومة قيم، خبرات، طباع، ووعي بالذات. حين تختصر هذه المساحة الواسعة في مسمى وظيفي، يصبح أي تغير مهني تهديداً شخصياً، وأي تقاعد خسارة رمزية للذات.
كثيرون يدخلون الوظيفة شباباً، فيتدرجون حتى تصبح جزءاً من صورتهم أمام الآخرين. ومع مرور السنوات، تتعزز تلك الصورة حتى يصعب التفريق بين الإنسان والدور الذي يؤديه. وحين يأتي التقاعد، يكتشف البعض أنهم لم يبنوا تعريفاً آخر لأنفسهم خارج المؤسسة. لا هوايات، لا مشروع فكري أو اجتماعي، لا شبكة علاقات قائمة على الاهتمام المشترك لا على المنفعة الوظيفية.
هنا يبدأ التلويح بالماضي. لا لأن الماضي جميل فقط، بل لأنه الإطار الوحيد الذي يمنح شعوراً بالقيمة. يتحول اللقب إلى درع نفسي، وسردية متكررة تعيد إنتاج الشعور بالأهمية. في العمق، المسألة ليست حنيناً بقدر ما هي محاولة لتفادي سؤال صعب: من أنا الآن؟
الواقع أن الوظيفة مرحلة، وليست تعريفاً نهائياً. قيمتك لا تُقاس بباب مكتب ولا بعدد المراجعين ولا بحجم الصلاحيات. هذه أدوات أداء، وليست مكونات هوية. الموظف الناجح هو من يدرك أن المنصب وسيلة لإنجاز أثر، لا غاية لبناء ذات.
الأكثر توازناً هم أولئك الذين يستثمرون سنوات العمل في بناء ما هو أبقى من اللقب: سمعة مهنية، معرفة متخصصة، علاقات قائمة على الاحترام، ومجال تأثير لا يتوقف بانتهاء الخدمة. هؤلاء يغادرون مواقعهم بهدوء، لأنهم يعلمون أن حضورهم لا يرتبط ببطاقة تعريف.
المشكلة تظهر حين يُختزل التاريخ الشخصي في سطر وظيفي. عندها يصبح أي نقد للمؤسسة نقداً للذات، وأي تغير إداري إلغاءً معنوياً للشخص. هذا الخلط يربك العلاقة مع العالم ويجعل الفرد أسير مرحلة زمنية انتهت.
التوازن الصحي يقتضي فصل الأدوار عن الجوهر. نعم، المنصب يمنح فرصة ومسؤولية، لكنه لا يمنح قيمة مطلقة. القيمة تُبنى من الداخل: في طريقة التفكير، في النزاهة، في القدرة على التعلم والتجدد. من يمتلك هذه العناصر لا يخشى التقاعد، لأنه لا يتقاعد عن ذاته.
بعد أن تُغلق المكاتب أبوابها، يبقى السؤال بسيطاً: هل كنت منصباً يمشي على قدمين، أم إنساناً مارس وظيفة؟ الفرق بين الاثنين ليس لغوياً، بل وجودي وعملي. الأول ينطفئ مع انتهاء الدور، والثاني يواصل حضوره لأن جذوره أعمق من أي لقب.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية
- اختلال المعايير الوطنية في العراق


المزيد.....




- إيران تحذر من أي -عدوان عسكري- على أراضيها، وواشنطن تدرس -ضر ...
- انعقاد أول اجتماع لمجلس سلام غزة.. والقبض على الأمير السابق ...
- الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. 120 طائرة أمريكية تتهيأ لمسرح ا ...
- صحف عالمية: بريطانيا ترفض السماح لواشنطن بضرب إيران من أراضي ...
- -شبيبة التلال- الإسرائيلية تتبنى عشرات الهجمات ضد الفلسطينيي ...
- بالصور.. موائد رمضان الجماعية تعود للخرطوم بعد 3 سنوات من ال ...
- من إيران لمجلس الأمن: نلفت عنايتكم لأمر هام وعاجل
- تحطم مقاتلة إيرانية خلال مهمة تدريبية
- -قضية أندرو-.. كيف يتعامل الملك تشارلز مع -أكبر أزمة- تواجه ...
- تحقيق فرنسي: -إخفاقات منهجية- سهّلت سرقة اللوفر بـ100 مليون ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة