أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى














المزيد.....

انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 16:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس الحديث عن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حنيناً ساذجاً إلى صورة مثالية متخيلة، بل استدعاء لمرحلة تشكل فيها الوعي المدني بوصفه سلوكاً يومياً لا شعاراً عابراً. كانت المدينة تُقرأ من هندام أهلها، ومن نبرة خطابهم، ومن انتظام شوارعها، ومن علاقتها بالمكان العام. لم يكن الخروج إلى الشارع فعلاً عادياً؛ كان إعلاناً ضمنياً عن احترام الذات واحترام المدينة في آن واحد.
في تلك المرحلة، كانت بغداد – بوصفها عاصمة ذات تقاليد مدنية راسخة – تتنفس إيقاعاً منضبطاً. الشارع فضاء مشترك تحكمه قواعد غير مكتوبة: ملابس لائقة، لغة مهذبة، حضور منظم في المقاهي ودور العرض. لم تكن الأناقة ترفاً طبقياً، بل معياراً ثقافياً يعكس تصوراً عاماً للهيبة الاجتماعية. كانت دور السينما مثل سينما بابل وغيرها من دور عرض ذلك الوقت لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تمارس دوراً تربوياً في ضبط الذائقة وتنظيم السلوك داخل القاعة وخارجها. حتى المطاعم والمنتديات الثقافية كانت امتداداً لفكرة المدينة بوصفها كياناً منسجماً، لا تجمعاً عشوائياً لأفراد.
ما الذي تغيّر؟
التحولات لم تكن سطحية. سلسلة الحروب، والحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي، ثم الانفلات الأمني بعد 2003، أعادت تشكيل بنية المجتمع العراقي على نحو جذري. حين تتعرض الدولة لاهتزازات متكررة، ينعكس ذلك مباشرة على مفهوم النظام العام. تتآكل مؤسسات الضبط المدني، وتتراجع سلطة القانون، ويصبح الشارع ساحة مفتوحة لممارسات فردية غير منضبطة.
الفوضى في الأرصفة ليست مجرد بسطات وباعة متجولين؛ إنها تعبير عن اقتصاد هشّ لم يعد قادراً على استيعاب طاقات الناس في إطار منظم. الملابس المنزلية في الفضاء العام ليست مسألة شكلية فقط، بل مؤشر على انحسار الفاصل بين الخاص والعام. اللغة المتدنية في الشارع ليست انحرافاً لغوياً فحسب، بل علامة على تراجع منظومة القيم التي كانت تضبط الخطاب الاجتماعي.
ثمّة بعد آخر يتعلق بتبدل المرجعيات الثقافية. في الماضي، كان التعليم العام أكثر تماسكا، وكانت المدرسة والجامعة تؤديان دوراً محورياً في تكوين الذوق والسلوك. كما أن الإعلام، رغم محدودية أدواته، كان يعمل ضمن رؤية مركزية تعزز صورة المدينة المتحضرة. اليوم، في ظل الانفجار الرقمي ومنصات التواصل، تعددت النماذج واختلطت المعايير، وغاب النموذج الموحد الذي يُحتذى.
غير أن تحميل المسؤولية لجيل بعينه تبسيط مخلّ. ما نشهده هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وثقافية. حين تتراجع هيبة الدولة، ويتضعضع القانون، وتضيق فرص العمل، يصبح الانشغال بالبقاء أولوية تتقدم على الانشغال بالشكل والجمال. الذوق العام لا ينهار فجأة؛ إنه يتآكل بصمت مع كل خلل بنيوي يصيب المجتمع.
لكن السؤال الأهم: هل فقدت مدننا أصالتها فعلاً، أم أننا أمام طور انتقالي مضطرب؟
الأصالة ليست زياً تقليدياً ولا صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. إنها قدرة المجتمع على إنتاج نظامه الخاص المتوازن بين الحداثة والجذور. ما تحتاجه مدننا اليوم ليس العودة الشكلية إلى بذلات الأمس وربطات عنقه، بل استعادة جوهر الفكرة: احترام الفضاء العام، إعادة الاعتبار للقانون، ترميم العلاقة بين الفرد والمدينة.
إحياء الذوق العام يبدأ من التربية، من المدرسة التي تعلّم النظام قبل المعلومة، ومن الأسرة التي تزرع قيمة الاحترام، ومن إعلام مسؤول يعيد تعريف الجمال بوصفه سلوكاً لا مظهراً فقط. كما يبدأ من سلطة محلية تدرك أن تنظيم الأرصفة ليس إجراءً إدارياً، بل رسالة حضارية.
الحنين مفهوم إنساني، لكنه لا يصنع مستقبلاً. ما يصنعه هو وعي نقدي يعترف بالتراجع من دون أن يستسلم له. المدن التي مرت بظروف أقسى استعادت عافيتها لأنها تعاملت مع الفوضى كمرحلة عابرة لا قدر دائم.
بين الأمس واليوم مسافة مؤلمة، نعم. لكن هذه المسافة يمكن أن تتحول إلى مساحة مراجعة، لا إلى مرثية طويلة لزمن مضى. فالمدينة، في نهاية المطاف، ليست حجراً وإسفلتاً؛ إنها صورة أهلها في المرآة. وإذا صلحت الصورة، عاد للمكان اتزانه وهيبته.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم


المزيد.....




- من مطاردة الجرذان إلى الكرملين، لحظات شكّلت فلاديمير بوتين
- أستراليا تباشر التحقيق حول معاداة السامية على خلفية هجوم شاط ...
- نزوح وغرق.. ليلة قاسية عاشتها مخيمات غزة تحت الأمطار الغزيرة ...
- خبير قانوني: هذا ما يترتب على تصنيف منصات القدس -إرهابية-
- -الرئيس الأمريكي رجل أفعال، انتظروا-.. رسالة مجهولة تهز هوات ...
- روسيا تتهم بريطانيا وفرنسا بالسعي لتزويد كييف بقنبلة نووية
- تعزيزات ضخمة.. حاملة الطائرات الأميركية الأكبر تبلغ اليونان ...
- بوليفيا تعلق اعترافها بـ-الجمهورية الصحراوية المزعومة-
- بورتسودان تتحفظ على -هدنة بولس-.. وانتقادات لموقف البرهان
- الحرس الثوري يبدأ مناورات عسكرية على الساحل الجنوبي لإيران


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى