أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ظلٌّ في زاوية المكان














المزيد.....

ظلٌّ في زاوية المكان


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 08:33
المحور: الادب والفن
    


دخلتُ مكان عملها كما يدخل متهمٌ إلى ساحة اعترافٍ صامت. لم أخبرها، ولم يكن في نيتي أن ألتقيها. أردت فقط أن أراها من بعيد، كما تكون حين لا تنتبه لوجودي، حين لا تضبط ملامحها لأجلي.
كانت تقف عند طرف الممر، تحمل كتباً وحقيبةً بدت أثقل من حجمها. يدان مشغولتان، وكتفان يشيان بإرهاقٍ لا تعترف به. كانت تتحدث مع زملائها بلباقةٍ متقنة، تصوغ كلماتها بعناية، كأنها تخشى أن يخرج من بين الحروف شيءٌ يكشفها.
ابتسامتها كانت قصيرة، مقتضبة، تؤدي الغرض ثم تنسحب. لم تكن باردة، لكنها لم تكن مطمئنة. كنت أراقبها من زاويةٍ لا تفضحني، أبحث في تفاصيلها الصغيرة: كيف ترتب خصلات شعرها بيدٍ سريعة، كيف تميل بجسدها قليلاً لتصغي، كيف تتنهد خلسةً بين جملةٍ وأخرى.
لم أكن أريد أن تراني. كنت أريد أن أرى حقيقتها.
دخلت إحدى القاعات فجأة. انغلقت خلفها الباب، وانقطع المشهد كما تنقطع جملةٌ قبل اكتمال معناها. شعرتُ بفراغٍ غريب، كأن المكان فقد توازنه. بقيتُ واقفاً أراقب باباً مغلقاً، كأنني أنتظر أن يُعيد لي شيئاً لم يكن لي أصلاً.
مرّ الوقت بطيئاً. خرجت من القاعة بعد حين، تمشي وحدها. لم تكن تتحدث مع أحد. لم تكن تبتسم. كانت ملامحها ساكنة، وعيناها شاردتان في نقطةٍ بعيدة. هناك فقط رأيتها كما هي: بلا حذر، بلا أداءٍ اجتماعي، بلا ذلك الضوء المصطنع الذي تضعه أمام الآخرين.
تقدمتُ خطوةً ثم توقفت. لم أشأ أن أقطع عليها وحدتها. كان في مشيتها شيءٌ هشّ، شيءٌ يحتاج إلى صمتٍ يحميه لا إلى لقاءٍ يربكه.
عبرت الممر واتجهت إلى الخارج. لم تلتفت. لم ترني. وربما كان ذلك أفضل.
خرجتُ بعدها بدقائق. الهواء في الخارج كان أخف، لكن داخلي كان مثقلاً. أدركت أنني أحبها بالطريقة الصعبة: أن أكون شاهداً من بعيد، أن أعرف تعبها دون أن أشاركه، أن أرى ابتسامتها المغصوبة ولا أملك حق أن أبدّلها.
لم نلتقِ. لم تتقاطع أعيننا. بقيتُ مجرد ظلٍ في زاوية المكان.
لكنني حملت معي صورتها كما كانت في تلك اللحظة الصادقة: امرأةٌ تمشي وحدها، تخفي أوجاعها بين كتبٍ وحقيبة، وتواصل يومها كما لو أن قلبها ليس أثقل ما تحمله.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول
- ماراثون الحكومة مع الرواتب… إدارة تلهث وشعب ينتظر
- كربلاء والنجف في عين الاستهداف: قراءة عميقة في الجغرافيا الر ...
- الشيب بوصفه سيرة خفية للألم
- وهم الثبات العاطفي وإخفاق استدعاء الماضي في العلاقات الإنسان ...
- حصان طروادة الى العراق بلمسة اميركية


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ظلٌّ في زاوية المكان