أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني














المزيد.....

ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 01:34
المحور: الادب والفن
    


ثمانية وثلاثون عامًا، ولا تزال صورتكِ تسكن في أكثر زوايا الذاكرة عتمةً وضياءً معًا. لم أكن أعرف، يوم التقيتكِ أول مرة، أن الزمن يمكن أن يتحول إلى دائرة مغلقة، أعود فيها إليكِ كلما ظننت أنني غادرتكِ. كنتِ حدثًا عابرًا في حساب الآخرين، لكنكِ في داخلي كنتِ انقلابًا كاملًا في الجغرافيا واللغة والمصير.
ثمانية وثلاثون عامًا وأنا أراكِ كما لو أنني أراكِ الآن. لم يجرؤ الغياب على محو ملامحكِ، ولم تفلح السنين في تبديد صوتكِ وهو يهبط على قلبي كنداءٍ أول. أتساءل أحيانًا: كيف يمكن لامرأة أن تتحول إلى وطنٍ كامل؟ وكيف يمكن لذاكرةٍ واحدة أن تهزم هذا التراكم الهائل من الوقائع، والوجوه، والمدن، والانكسارات؟
لم تكن علاقتنا طويلة بما يكفي لتُكتب في سجلات العشاق، لكنها كانت عميقة بما يكفي لتُكتب في عظامي. أحببتكِ على نحوٍ لم أتعلمه من أحد، ولم أكرره مع أحد. كان حبًا خامًا، طازجًا، بلا حيل، بلا احتياطات. أحببتكِ كما يحب طفلٌ أولَ اكتشافٍ له في هذا العالم: بدهشةٍ كاملة، وخوفٍ كامل، وتعلّقٍ لا يعرف المساومة.
ثمانية وثلاثون عامًا وأنا أبحر معكِ في بحر الخيال. أخلق لكِ مدنًا لم تطئيها، وأمنحكِ شرفاتٍ تطل على بحارٍ لم نرها، وأجلس معكِ في مقاهٍ لم تُبنَ بعد. أراكِ تمشين إلى جانبي في طرقاتٍ لم أمشِها وحدي قط، لأنني في الحقيقة لم أمشِ يومًا وحدي. كنتِ معي، ظلًا رقيقًا لا يشيخ، وصوتًا داخليًا يهمس لي كلما ضجّ العالم.
كنتُ كلما حاولتُ أن أعيش حياةً “عادية”، كانت ذكراكِ تقف في المنتصف، لا لتمنعني، بل لتذكّرني أن في داخلي معيارًا لا يقبل الرداءة. كنتِ مقياسي للجمال، للحنان، للنقاء، وحتى للألم. نعم، للألم أيضًا. لأنكِ علمتِني أن الحب ليس وعدًا بالسعادة، بل استعدادٌ لتحمّل الفقد دون أن ينكسر المعنى.
كم مرةً قلتُ لنفسي إن الوقت كفيلٌ بإطفاء هذه النار؟ كم مرةً أقنعتُ قلبي بأن الذاكرة تتعب؟ لكنها لم تتعب. كنتِ تعودين في التفاصيل الصغيرة: في رائحة مطرٍ أول، في أغنيةٍ عابرة، في نظرةٍ تشبه نظرتكِ، في ضحكةٍ تخون صاحبها فتأخذني إليكِ. كنتِ تختبئين في الأشياء، وتفاجئينني كما لو أنكِ تتعمدين أن تبقي حيّة في داخلي.
ثمانية وثلاثون عامًا، وأنا لم أطلب منكِ شيئًا. لم أطالبكِ بعودةٍ مستحيلة، ولم أعاتبكِ على غيابٍ قد يكون قدرًا، ولم أحمّلكِ وزر الزمن. أحببتكِ كما يُحبّ شيءٌ بعيدٌ لا يمكن امتلاكه، لكنه يُمتلك بالكامل في القلب. أحببتكِ كفكرةٍ سامية، كصلاةٍ سرية، كجرحٍ أرفض أن يلتئم لأنني أخشى أن أشفى منكِ.
هل تعلمين كم مرةً تخيّلتُ لو أننا التقينا بعد كل هذه السنوات؟ لا لأعاتبكِ، ولا لأستعيد ما مضى، بل فقط لأرى إن كان قلبي سيخفق بالطريقة نفسها. أخشى أن يكون الجواب نعم. أخشى أن أكتشف أنني لم أكبر في هذه المساحة منكِ، وأن الفتى الذي أحبكِ أول مرة لا يزال يسكنني، ينتظر نظرةً واحدة ليبدأ الحلم من جديد.
ثمانية وثلاثون عامًا، وأنا أحمل اسمكِ كتعويذةٍ ضد القسوة. كلما اشتدّت عليّ الحياة، عدتُ إليكِ. كلما خذلتني الطرق، تذكّرتُ الطريق الذي كان يمكن أن نمشيه معًا. لم تكوني مجرد امرأة أحببتها؛ كنتِ الاحتمال الأجمل الذي لم يكتمل، والقصيدة التي توقفت عند بيتها الأول وبقي صداها يرنّ في رأسي إلى اليوم.
أحيانًا أشعر أنني ظلمتكِ، لأنني جعلتكِ أكبر من الواقع، وأجمل من الحقيقة، وأنقى من البشر. صنعتُ منكِ أسطورةً خاصة بي، امرأةً لا تخطئ، لا تتعب، لا تخون صورتها في قلبي. وربما لو التقينا طويلًا، لاكتشفتُ فيكِ هشاشةً بشرية عادية. لكنني لا أريد هذا الاكتشاف. أريدكِ كما أنتِ في مخيلتي: كاملة، بعيدة، ومضيئة.
ثمانية وثلاثون عامًا، وأنا أعشق ذكراكِ كما يعشق البعض حاضرهم. لم أندم على هذا الحب، رغم أنه لم يمنحني نهايةً سعيدة. كان يكفيني أنه منحني عمقًا. جعلني أفهم أن الإنسان قد يعيش عمره كله وهو يحمل حبًا واحدًا، لا ليستهلكه، بل ليحمي به روحه من التبلّد.
إن كنتِ في مكانٍ ما من هذا العالم، وربما لا تعلمين أنني ما زلتُ أكتبكِ في صمتي، فأنا لا أطلب منكِ شيئًا. يكفيني أنني أحببتُكِ بهذه القوة، وأن قلبي عرف، ولو مرةً واحدة في حياته، ذلك الارتعاش النقي الذي لا يتكرر.
ثمانية وثلاثون عامًا، وما زلتِ البحر الذي أبحر فيه كلما ضاقت اليابسة. وما زلتِ الوجع الذي أتمسك به كي لا أصبح حجرًا. وما زلتِ الحلم الذي لم يتحقق، لكنه علّمني أن بعض الأحلام خُلقت لتبقى حيّة… لا لتتحقق.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق
- وهم الكتابة
- عودة الى المربع الأول


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني