أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة














المزيد.....

بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 19:49
المحور: الادب والفن
    


في لحظةٍ واحدة، دون مقدمات تليق بثقلها، ينقلب كل شيء. خبرٌ قصير، كلمات قليلة، لكنها كفيلة بأن تهدم داخلنا مدناً كاملة من الطمأنينة. حين سمعتُ بوفاة أحد شبابنا من الأقرباء، لم يكن الأمر مجرد فقدٍ لشخص، بل كان انكساراً خفياً في نظرتي إلى العالم، وكأن ستاراً انزاح فجأة عن حقيقةٍ كنا نؤجل رؤيتها.
كان كل شيء قبل تلك اللحظة يبدو عادياً، مألوفاً، حتى رتيباً أحياناً. الأيام تمضي ببطء، والوجوه تتكرر، والضحكات تتناثر بلا حساب. كنا نعيش وكأننا نملك الوقت، وكأن الغد مضمون، وكأن اللقاءات مؤجلة دائماً دون خوف من الفقد. لكن الموت، حين يمرّ قريباً جداً، لا يطرق الباب بل يقتحمه، ويترك خلفه فراغاً لا يشبه أي فراغ آخر.
لم يكن الراحل مجرد اسمٍ في سجل العائلة، كان حضوراً حيّاً، صوتاً، ضحكة، تفاصيل صغيرة كانت تملأ المكان دون أن نشعر. واليوم، صار كل شيء يشير إليه بصمته. الكرسي الذي كان يجلس عليه، الطريق الذي كان يسلكه، حتى الهواء في الأماكن التي مرّ بها يبدو أثقل، كأنه يحمل شيئاً من أثره الذي لم يعد.
الغريب أن الفقد لا يُشعرنا فقط بغياب من رحل، بل يكشف لنا هشاشتنا نحن. ندرك فجأة أننا لسنا ثابتين كما كنا نظن، وأن الحياة التي كنا نركض فيها بلا توقف، ليست سوى محطة قصيرة، يعبرها البعض سريعاً، ويُترك الباقون خلفهم في ذهول. كأننا في سباقٍ لا نعرف خط نهايته، ولا متى سنُستدعى للخروج منه.
بعد رحيله، تغيّر طعم الأيام. لم تعد الصباحات كما كانت، ولا المساءات تحمل ذات السكينة. هناك شيء مكسور في الداخل، شيء لا يُرمّم بسهولة. حتى الفرح، إن جاء، يأتي ناقصاً، كأنه يعتذر عن حضوره في وقتٍ لا يليق به. الضحك نفسه أصبح خفيفاً، سريع الزوال، كأنه يخشى أن يُتهم بالخيانة.
أدركت حينها أن الأماكن لا تُقاس بجدرانها، بل بمن يملأها. وأن القلوب لا تُرهقها الحياة بقدر ما يُرهقها الغياب. وأن المشاعر، مهما بدت قوية، يمكن أن تنطفئ فجأة حين يُسحب منها من كان يمنحها معناها. كأن الراحل يأخذ معه قطعةً من كل من عرفه، ويتركهم أقل اكتمالاً مما كانوا.
هناك حزنٌ خاص في فقد الشباب. ليس لأنه موتٌ فقط، بل لأنه موتٌ مبكر، غير مُتوقّع، يربك ترتيب الأشياء في عقولنا. نحن نُقنع أنفسنا أن الكبار يرحلون أولاً، أن الزمن يسير وفق منطقٍ ما، لكن حين يرحل شاب، يتصدع هذا المنطق، ونشعر أن الحياة لا تلتزم بأي قانون، وأن النهاية قد تكون أقرب مما نتصور.
نحاول بعد ذلك أن نستمر. نمارس حياتنا، نعود إلى أعمالنا، نتحدث، نتحرك، نبتسم أحياناً. لكن في الداخل، هناك شيء تغيّر إلى الأبد. كأننا نحمل ذكرى ثقيلة لا تُرى، لكنها تؤثر في كل شيء. نصبح أكثر صمتاً، أكثر تفكيراً، وربما أكثر خوفاً من التعلق، لأننا أدركنا أن كل ما نحبّه قابل للغياب في لحظة.
ومع ذلك، يبقى في هذا الحزن معنى خفي. ربما يعلّمنا الفقد أن نكون أكثر صدقاً في مشاعرنا، أكثر حضوراً مع من نحب، أقل تأجيلاً للكلمات التي يجب أن تُقال. ربما يذكّرنا أن الحياة، رغم قسوتها، لا تستحق أن نعيشها ببرود، وأن من نحبهم اليوم قد لا يكونون هنا غداً.
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، أن الغياب يترك فراغاً لا يُملأ. قد نتأقلم، نعم، وقد نعتاد الألم، لكننا لا ننسى. يبقى الراحل حاضراً بطريقةٍ مختلفة، في الذكريات، في التفاصيل، في تلك اللحظات التي نتمنى فيها لو يعود كل شيء كما كان، ولو لدقيقة واحدة فقط.
وفي النهاية، نُدرك أن الحياة ليست كما كنا نظن. ليست طويلة كما تبدو، ولا مضمونة كما نتصور. هي مجرد عبورٍ قصير، تتخلله لحظات نحب فيها، ونفقد، ونبكي، ونحاول أن نفهم. لكننا غالباً لا نفهم… إلا بعد فوات الأوان. الى روح علاء عباس رحمة الله عليه



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير
- حين خانني الصمت فأعترفت
- نزيف الذاكرة
- أنتِ الزمن حين يتخلى العمر عن أرقامه
- دولة الورق


المزيد.....




- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة