أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات














المزيد.....

شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 09:11
المحور: الصحافة والاعلام
    


في العراق، لا يمكن الحديث عن الإعلام بوصفه مجرد مهنة أو مساحة للتعبير، بل هو مرآة مشروخة تعكس تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، بكل ما فيه من صراعات وتشظيات. ومن المؤلم أن جزءًا من هذا الإعلام لم يعد يقف في صف الحقيقة أو الوطن، بل انزلق – في حالات واضحة وصريحة – إلى أدوار تثير الشكوك حول انتمائه، بل وتضعه أحيانًا في موقع الخصومة مع المصلحة الوطنية.
منذ عام 2003، تشكلت منظومة إعلامية واسعة، تعددية في ظاهرها، لكنها في كثير من الأحيان مرتهنة لجهات سياسية أو ممولين نافذين. هذه الحقيقة لم تعد خافية، بل أصبحت من المسلمات التي يدركها المواطن البسيط قبل النخب. والنتيجة أن بعض الشاشات العراقية تحولت إلى منصات لتصفية الحسابات، لا إلى فضاءات للنقاش الحر والمسؤول.
من الشواهد الصريحة التي لا يمكن تجاهلها، ظاهرة “الإعلامي الصارخ” الذي يملأ الاستوديو ضجيجًا أكثر مما يملأه معرفة. تجده يتحدث بثقة مفرطة عن كل شيء، من الاقتصاد إلى الأمن إلى العلاقات الدولية، دون سند علمي أو مهني. يعتمد على الإثارة، ويستخدم لغة حادة، ويقدم تحليلات سطحية تُبنى على الانطباعات لا على الحقائق. هذا النموذج لا يسهم في توعية الجمهور، بل في تضليله، ويخلق رأيًا عامًا هشًا يمكن التلاعب به بسهولة.
وهناك نموذج آخر أكثر خطورة، يتمثل في “فبركة الأزمات”. حيث يتم تضخيم حادثة محدودة في إحدى المحافظات، لتُعرض على أنها انهيار شامل في الدولة، أو يتم اجتزاء تصريح لمسؤول وتحميله ما لا يحتمل، بهدف إشعال الجدل. وقد شهدنا مرارًا كيف تتحول إشاعة صغيرة إلى قضية رأي عام خلال ساعات، فقط لأن أحد البرامج أو الصفحات قرر تبنيها دون تحقق. هذه الممارسات لا تخلق وعيًا، بل تصنع فوضى نفسية واجتماعية.
أما الابتزاز الإعلامي، فهو جرح نازف في جسد الإعلام العراقي. هناك من يستخدم المنبر الإعلامي كورقة ضغط على السياسيين أو المسؤولين، إما للحصول على مكاسب مالية، أو لتحقيق مصالح خاصة. تُفتح ملفات فجأة، ثم تُغلق فجأة، ليس لأن الحقيقة ظهرت، بل لأن الصفقة تمت. هذا النوع من السلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه انحراف خطير، يحول الإعلام من سلطة رقابية إلى أداة ابتزاز، ويضرب الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ولا يمكن إغفال الدور الخطير للإشاعة، التي أصبحت سلاحًا يوميًا في بعض المنصات. فكم من خبر كاذب انتشر عن انهيار أمني أو أزمة مالية أو قرار حكومي، ليتبين لاحقًا أنه لا أساس له من الصحة. ومع ذلك، لا نرى اعتذارًا ولا تصحيحًا، بل استمرارًا في النهج ذاته. الأخطر أن بعض الإعلاميين يتعاملون مع الإشاعة كأداة لرفع نسب المشاهدة، غير مدركين – أو غير مبالين – بما تسببه من أضرار حقيقية على الاستقرار المجتمعي.
ومن الشواهد المؤلمة أيضًا، التلون الواضح في مواقف بعض الإعلاميين. فالشخص نفسه قد يهاجم جهة سياسية بعنف في قناة، ثم يدافع عنها في قناة أخرى، وفقًا لتغير التمويل أو التوجه. هذا التناقض الفج لا يمكن تبريره بالاجتهاد أو اختلاف الرأي، بل يكشف غياب المعايير المهنية، ويؤكد أن بعض المنابر تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الرسالة.
كما أن بعض البرامج الحوارية في القنوات العراقية تحولت إلى ساحات صراع، يُستدعى فيها الضيوف ليس للحوار، بل للمواجهة والاستفزاز. يُقاطع الضيف، وتُحرّف كلماته، ويُدفع باتجاه التصعيد، لأن “الترند” أهم من الحقيقة. وهكذا، يُختزل الإعلام في مشهد صاخب يفتقر إلى العمق، ويعزز الانقسام بدل أن يسهم في معالجته.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا وصل الحال إلى هذا المستوى؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من غياب التنظيم المهني الصارم، وضعف المؤسسات الضامنة لأخلاقيات العمل الإعلامي، إضافة إلى ارتباط كثير من القنوات بجهات سياسية تمولها وتحدد أجندتها. كما أن البيئة العامة، التي تتسم بالتوتر والانقسام، توفر أرضًا خصبة لمثل هذه الممارسات.
ومع ذلك، لا يمكن التعميم أو إنكار وجود إعلاميين عراقيين مهنيين وشرفاء، يعملون بصمت ويقدمون محتوى رصينًا، لكن أصواتهم غالبًا ما تضيع وسط ضجيج المنابر الصاخبة. وهنا تكمن المفارقة: الجودة لا تجد دائمًا طريقها إلى الانتشار، بينما الرداءة تجذب الانتباه بسرعة.
إن إصلاح الإعلام العراقي لا يمكن أن يتم بالشعارات، بل يحتاج إلى خطوات حقيقية، تبدأ بتفعيل القوانين التي تحاسب على نشر الكذب والتضليل، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتطوير التعليم الإعلامي، والأهم من ذلك، بناء وعي مجتمعي يرفض استهلاك هذا النوع من الخطاب.
في النهاية، الإعلام في العراق يقف عند مفترق طرق: إما أن يكون أداة لبناء الدولة وتعزيز وعي المواطن، أو أن يستمر – في بعض جوانبه – كعامل هدم وتشويش. والكلمة التي تُقال على الشاشة ليست مجرد رأي عابر، بل قد تكون شرارة أزمة أو بذرة إصلاح. والمسؤولية هنا ليست على الإعلامي وحده، بل على المنظومة بأكملها، وعلى جمهور يملك – إن أراد – أن يميز بين من يخدم الوطن ومن يتاجر به.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك
- طيف عابر المسافات
- أحبكِ كما يليق بالخسارات الكبيرة
- ولادة الوعي من رحم الخراب: كيف يصنع الألم ذاكرة أمة جديدة
- شيخوخة هادئة على حافة الصمت
- حين يكون الانحياز موقفًا معرفيًا
- رفيق الحبر والظل
- الرجل الصغير


المزيد.....




- 3 آلاف مظاهرة.. حشود غفيرة تشارك في احتجاجات -لا ملوك- ضد إد ...
- غوريلا تنظر بغيرة إلى صديقها فيما يتناول وجبات خفيفة في حديق ...
- الحوثيون يعلنون شن هجوم جديد على أهداف في إسرائيل
- تقرير: البنتاغون يستعد لعمليات برية في إيران وغموض في موقف ت ...
- شركات توريد قطع غيار السيارات تجبر على إعادة ترتيب أوراقها
- جنود أمريكيون يعلنون إسلامهم بسبب الحرب على إيران.. ما الحقي ...
- لمواجهة تداعيات الحرب.. مصر تبدأ إجراءات لترشيد استهلاك الطا ...
- مقتل جندي إسرائيلي جنوبي لبنان وحزب الله يوسع هجماته
- هل حقا يعاني الاحتلال إنهاكا متصاعدا ونقصا في عدد الجنود؟
- بين الميدان والشاشة.. كيف تُصنع -حروب بديلة- موازية للواقع؟ ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عماد الطيب - شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات