أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير














المزيد.....

بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 07:56
المحور: سيرة ذاتية
    


حين بلغت الحادية والستين من عمري، شعرت أنني أقف عند المحطة الأخيرة من الرحلة الطويلة. في بلادي، ينظر معظم الناس إلى الستين بوصفها نهاية العمر، وكأن الإنسان بعد هذا الرقم يتحول إلى ظلٍّ باهت لما كان عليه. لكنني حين أنظر إلى حياتي، لا أرى النهاية بقدر ما أرى تاريخاً طويلاً من التعب والشغف والانكسارات والذكريات التي صنعتني.
أمضيت أكثر من أربعين عاماً في الصحافة، ولم تكن بالنسبة لي مجرد وظيفة أعيش منها، بل كانت عشقي الأول، ومرضاً جميلاً سكنني حتى العظم. كتبت مئات الريبورتاجات والتحقيقات الصحفية وآلاف الأخبار والمقالات والحوارات. كنت أعيش داخل الجريدة أكثر مما أعيش داخل بيتي، وأشعر أن رائحة الحبر جزء من روحي. الصحافة علمتني كيف أرى الناس من الداخل، وكيف أقرأ الوجوه والأصوات والصمت أيضاً.
خلال رحلتي الطويلة، جلست مع وزراء وأطباء وقضاة ومهندسين ومثقفين، لكنني جلست أيضاً مع أناس بسطاء لم يدخلوا الجامعات ولم يعرفوا شيئاً عن النظريات الكبرى، ومع ذلك كانوا يمتلكون حكمة الحياة الحقيقية. اكتشفت مع الزمن أن الإنسان لا يُقاس بمنصبه ولا بثروته، بل بما يحمله في قلبه وعقله.
قرأت مئات الكتب وآلاف الصحف والمجلات، وربما كانت القراءة هي الشيء الوحيد الذي منحني القدرة على احتمال هذا العالم. كنت أهرب إلى الكتب كلما ضاقت الحياة، فأشعر أنني أعيش أعماراً أخرى غير عمري. تعلمت من القراءة أن الإنسان لا يكبر بالعمر فقط، بل بما يختزنه من معرفة وتجارب وأسئلة.
وفي الجانب الآخر من حياتي، عرفت الحب بكل تناقضاته. عشقت النساء، وذقت طعم الحب الأول، ذلك الشعور الذي يجعل القلب يرتجف كطفلٍ صغير. لكنني أيضاً عرفت الخذلان والهجران، واكتشفت أن الحب لا يمنحنا السعادة دائماً، بل يمنحنا أحياناً أعمق جروحنا. ومع ذلك، لم أندم على الحب يوماً، لأن الإنسان الذي لا يحب يعيش نصف حياة فقط.
وفي شبابي، كنت عاشقاً للرياضة. لعبت كرة القدم، وكنت مهاجماً موهوباً بشهادة كثيرين. كانوا يقولون إنني أفضل مهاجم أنجبته الفرق المحلية، وكنت أصدق أن مستقبلاً كبيراً ينتظرني في الملاعب. لكن انتقالنا إلى مدينة أخرى غيّر مسار حياتي بالكامل. أحياناً أفكر كيف كانت حياتي ستبدو لو بقيت هناك، لكنني تعلمت أن القدر يفتح لنا أبواباً ويغلق أخرى دون أن يستأذن أحلامنا.
اليوم أعيش أهدأ سنوات حياتي، لكنها أيضاً أكثرها قسوة. التقاعد أخذني بعيداً عن ضجيج المهنة، والمرض أقعدني داخل البيت حتى أصبحت أسير الفراش. لا أحد يفهم معنى أن يتحول الجسد الذي كان يركض خلف الأخبار والأحلام إلى جسدٍ متعب بالكاد يقوى على الحركة. المرض لا يوجع الجسد فقط، بل يسرق من الإنسان شعوره بالحياة. أشعر أحياناً أنني أراقب العالم من نافذة بعيدة، بينما كنت يوماً في قلبه.
أقسى ما في المرض ليس الألم، بل العجز. أن ترغب في السفر فلا تستطيع، وأن تشتاق للمشي في الشوارع القديمة فلا تقوى قدماك على حملك، وأن تمتلئ روحك بالكلام بينما يخذلك الجسد. كنت في الماضي أتنقل بين المدن وألاحق القصص والناس، أما الآن فأنا أعيش مع ذكرياتي أكثر مما أعيش مع الواقع.
لكنني رغم كل شيء، حين أعود بذاكرتي إلى الوراء، أشعر أنني عشت حياة ممتلئة. عرفت الشغف، وعرفت الخيبة، وعرفت الناس بكل وجوههم. رأيت الحياة من الأعلى ومن الأسفل، ولم أعش يوماً حياة باردة أو بلا معنى. ربما لم أصبح لاعباً مشهوراً، وربما لم أحصل على ما أستحقه من تقدير في مهنتي، لكنني عشت كما أردت دائماً: قريباً من الكلمة والحياة والناس.
الآن، وأنا في هذا العمر، لم أعد أخاف من الشيخوخة بقدر خوفي من النسيان. أخاف أن تختفي كل تلك السنوات كأنها لم تكن، وأن تضيع القصص التي عشتها بين زحام الأيام. لكنني أؤمن أن الإنسان يبقى بما تركه من أثر، وأنا تركت آلاف الكلمات التي ربما سيقرأها شخص ما يوماً ويشعر أن خلفها رجلاً عاش الحياة بكل ما فيها من جمال وقسوة.
لقد تعبت كثيراً، لكنني لم أعش حياة فارغة. وهذا وحده يكفيني.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير