أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل














المزيد.....

البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن ارتفاع سعر الطماطة حدثاً اقتصادياً عابراً في السوق العراقية، بل تحوّل سريعاً إلى مؤشر اجتماعي يكشف طبيعة التفاعل الجمعي وحدود الفعل المدني. فالدعوات إلى مقاطعة هذه السلعة، بوصفها جزءاً أساسياً من السلة الغذائية، لم تكن مجرد رد فعل على غلاء مفاجئ، بل بدت كاختبار أولي لمدى نضج الوعي الاستهلاكي وقدرته على التحول إلى سلوك ضاغط.
من زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها انتقالاً جزئياً من الاستهلاك السلبي إلى الاستهلاك الواعي. حين يقرر المستهلك الامتناع عن شراء سلعة بسبب ارتفاع سعرها، فهو يمارس شكلاً من أشكال “الضبط الذاتي للسوق”، وهو ما يُفترض أن يخلق توازناً مفقوداً بين العرض والطلب. هذه الفكرة ليست جديدة؛ فقد شهدت أسواق عربية عدة حملات مشابهة، مثل حملات مقاطعة الدواجن في مصر عام 2006، أو مقاطعة بعض منتجات الألبان في المغرب عام 2018، حيث أدى الضغط الشعبي إلى مراجعات سعرية أو على الأقل إلى فتح نقاش عام حول آليات التسعير والاحتكار.
غير أن الحالة العراقية تحمل خصوصية مختلفة. فالسوق المحلية تعاني من اختلالات بنيوية، أبرزها ضعف الرقابة، وتذبذب الإنتاج المحلي، والاعتماد على الاستيراد في كثير من الأحيان. لذلك فإن مقاطعة الطماطة، على أهميتها الرمزية، تصطدم بواقع اقتصادي أكثر تعقيداً. إذ لا يكفي أن يتوقف المستهلك عن الشراء ليحدث التوازن، إذا لم تتوافر بدائل إنتاجية مستقرة، أو إذا بقيت حلقات الوساطة التجارية تتحكم بالأسعار بعيداً عن منطق السوق الحر.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من قيمة هذا الحراك. فمجرد تداول فكرة المقاطعة على نطاق واسع يعكس تحوّلاً في الوعي الجمعي، من التذمر الصامت إلى محاولة الفعل. وهذا بحد ذاته تطور مهم في مجتمع اعتاد، لفترات طويلة، على تلقي الأزمات الاقتصادية بوصفها قدراً لا يمكن تغييره. هنا تحديداً تكمن “الحالة الصحية” التي يمكن الحديث عنها: ليس في المقاطعة كفعل نهائي، بل في الوعي الذي أنتجها.
لكن هذا الوعي يظل مهدداً بالتحول إلى ظاهرة موسمية، إذا لم يتأسس على رؤية أوسع. فالتجارب السابقة تُظهر أن الحماس الشعبي غالباً ما يتراجع مع أول انخفاض نسبي في الأسعار أو مع ظهور سلعة بديلة. وهو ما يعني أن المقاطعة، لكي تكون مؤثرة، تحتاج إلى تنظيم، واستمرارية، وربط مباشر بسياسات اقتصادية واضحة، مثل دعم المنتج المحلي، وضبط الاستيراد، وتفعيل أجهزة الرقابة.
ولعل المثال الأبرز على فاعلية المقاطعة المنظمة هو ما حدث في بعض الدول الأوروبية حين قاطعت مجموعات من المستهلكين شركات كبرى بسبب ممارسات احتكارية أو بيئية، حيث استمرت الحملات لسنوات، وأجبرت الشركات على تغيير سياساتها. الفارق هنا أن المقاطعة لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تحولت إلى استراتيجية مدروسة مدعومة ببيانات وإعلام مؤثر.
في العراق، ما زالت هذه الحلقة مفقودة إلى حد كبير. فالإعلام، رغم حضوره، لم يتحول بعد إلى منصة تحليل اقتصادي معمق يشرح للمواطن أسباب ارتفاع الأسعار، ولا الجهات المستفيدة، ولا الحلول الممكنة. كما أن غياب جمعيات حماية المستهلك الفاعلة يجعل من الصعب تحويل المبادرات الفردية إلى قوة ضغط منظمة.
من هنا، يمكن القول إن “البداية من الطماطة” ليست سوى عنوان رمزي لمرحلة اختبار. إذا نجح المجتمع في تحويل هذه التجربة إلى وعي مستدام، فقد نشهد انتقالاً نوعياً في التعامل مع قضايا أكبر، مثل الفساد الاقتصادي، أو سوء إدارة الموارد. أما إذا بقيت المقاطعة مجرد موجة عابرة، فإنها ستنتهي كما انتهت كثير من ردود الأفعال السابقة: ضجيج مؤقت دون أثر عميق.
نقول .. أن ارتفاع سعر الطماطة كشف أكثر مما سبّب. كشف هشاشة السوق، لكنه كشف أيضاً إمكانية تشكّل وعي جمعي قادر على الفعل. وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة: إما أن تتحول المقاطعة إلى ثقافة، أو تبقى مجرد رد فعل ظرفي يذوب مع أول انخفاض في الأسعار.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة
- بين نقطةٍ وفاصلة… أسكنك


المزيد.....




- صلّى مع مستوطنين كان ذاهبًا لإخلائهم.. الجيش الإسرائيلي يعفي ...
- السعودية تعلن مقتل بحارين اثنين في واقعة بمضيق هرمز
- رئيس -دويتشه بنك- يحذر من صعود الأحزاب الشعبوية
- أمريكا وإيران.. تبادل الضربات والتهديد بمزيد من التصعيد والت ...
- زاخاروفا تروي قصة مشاهد مزوّرة للافروف
- صحيفة بريطانية: أوكرانيا عاجزة عن اعتراض المسيرة النفاثة الر ...
- اصطدام ناقلتي نفط بالألغام حاولتا عبور الجانب العماني من مضي ...
- رئيس كوريا الجنوبية يطرح خطة ثلاثية للتعايش السلمي مع الشمال ...
- لماذا تماطل واشنطن في تسليم مصر مقاتلاتها؟.. تقرير عبري: الص ...
- -أقوى سلاح للإغراء-.. ترند مثير للجدل على -تيك توك-


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل