أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - ثرثرة الفراغ وصناعة العدم














المزيد.....

ثرثرة الفراغ وصناعة العدم


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 02:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في البيئات التي تتسع فيها فجوات الوقت أكثر مما تتسع فيها مساحات الفعل المنتج، تتحول الكلمة من أداة تواصل إلى أداة اشتباك يومي. فـ"ألسنة السوء" ليست ظاهرة طارئة، بل نتيجة بنيوية لحالة اجتماعية يغلب عليها الفراغ، حيث يبحث الأفراد عن معنى بديل يملأ هذا الخواء، حتى وإن كان ذلك عبر تداول الشائعات أو الخوض في سمعة الآخرين.
الفراغ هنا ليس مجرد وقت غير مستثمر، بل هو سياق نفسي وثقافي. حين تغيب المشاريع الفردية والجماعية، ويتراجع الحافز نحو الإنتاج، تتقدم أنماط سلوكية بديلة، من بينها النميمة والتجريح. هذه الأنماط تمنح صاحبها شعوراً زائفاً بالتفوق أو السيطرة، إذ يتحول الحديث عن الآخرين إلى وسيلة لتعويض نقص داخلي أو فشل غير معترف به. ومن ثمّ، يصبح المجتمع ساحة مفتوحة لتبادل الأحكام بدلاً من تبادل الخبرات.
وتتفاقم هذه الظاهرة في المجتمعات التي تعاني من ضعف في البنى الثقافية والإعلامية الرصينة. فحين يغيب الخطاب المسؤول، وتضعف المنابر التي تعزز التفكير النقدي، يترك المجال واسعاً أمام خطاب شعبوي سريع الانتشار، يعتمد على الإثارة لا على التحقق. وهنا تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً، إذ تنقل "ألسنة السوء" من نطاقها الضيق إلى فضاء أوسع، حيث تتحول الإشاعة إلى "حقيقة" متداولة بمجرد كثافة تكرارها.
كما أن غياب المساءلة الاجتماعية والقانونية يرسخ هذه السلوكيات. فحين لا يواجه المسيء تبعات فعلية، يصبح التمادي خياراً سهلاً، بل ومغرياً. ومع الوقت، تتشكل ثقافة ضمنية تتسامح مع الإساءة اللفظية، بل تبررها أحياناً تحت عناوين "حرية التعبير" أو "الفضفضة"، في خلط واضح بين الحق في الرأي والاعتداء على الآخرين.
لكن المسألة لا تتوقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى بنية المجتمع ككل. فانتشار هذا النمط من الخطاب يضعف الثقة العامة، ويقوض العلاقات الاجتماعية، ويخلق بيئة مشحونة بالشك والريبة. وفي ظل هذه الأجواء، يصبح العمل الجماعي أكثر صعوبة، لأن الأفراد ينشغلون بحماية ذواتهم بدلاً من الانخراط في مشاريع مشتركة.
المعالجة، إذن، لا تكون عبر الدعوة الأخلاقية المجردة فقط، بل عبر إعادة ترتيب أولويات المجتمع. الاستثمار في التعليم، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الأنشطة الثقافية والرياضية، كلها أدوات تقلص مساحة الفراغ وتعيد توجيه الطاقة البشرية نحو ما هو منتج. إلى جانب ذلك، يبقى للإعلام دور محوري في ترسيخ معايير مهنية تحارب الإشاعة وتدعم الحقيقة، وفي بناء وعي نقدي يميز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير.
في المحصلة، "ألسنة السوء" ليست قدراً محتوماً، بل عرض لخلل أعمق. وحين يُعالج السبب—أي الفراغ بكل أبعاده—تتراجع الظاهرة تلقائياً، ويستعيد الكلام وظيفته الأصلية: بناء المعنى، لا هدمه.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى
- وطنٌ يتقاسمه الجراح ويُحاصرُهُ
- ظلٌّ في زاوية المكان
- ما بعد اللقب… حين يتقاعد المنصب وتبقى الأسئلة


المزيد.....




- أوكرانيا تعلن تعرضها لإحدى أكبر الهجمات الروسية بالصواريخ ال ...
- مقتل جنديين أمريكيين وفقدان آخر وسط تصاعد التوترات بين الولا ...
- رئيس الوزراء العراقي يصل إلى الدوحة
- -نيويورك بوست-: وفاة شخصين بداء -الفيالقة- في نيويورك
- بغطاء مروحي ومسيّر كثيف.. توغل إسرائيلي في ريف القنيطرة السو ...
- إعلان النتائج النهائية للتشريعيات في الجزائر: أحزاب الموالاة ...
- رئيس المجر يوقّع التعديل السابع عشر للدستور وينهي ولايته الر ...
- زيلينسكي يقر بأن الهجوم الصاروخي الروسي على كييف الليلة الما ...
- غزة.. قتلى وجرحى بقصف إسرائيلي لحي الزيتون
- الدفاع الجوي الإيراني يسقط طائرة -إم كيو-9- أمريكية في الأهو ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عماد الطيب - ثرثرة الفراغ وصناعة العدم