أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - من سرق ذاكرة العراق؟














المزيد.....

من سرق ذاكرة العراق؟


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ظلّ التاريخ في العراق ميداناً للصراع لا يقل ضراوة عن ميادين الحروب نفسها. فالسلطات المتعاقبة لم تكن ترى التاريخ بوصفه ذاكرة وطن، بل باعتباره أداة حكم، تُستخدم لصناعة الولاء وتبرير السلطة وإقصاء الخصوم. ولهذا تعرضت أحداث كبرى وشخصيات وطنية ومدن كاملة إلى التهميش أو التشويه أو إعادة التفسير بما يخدم الرواية الرسمية. ولم يكن المواطن العراقي يقرأ تاريخه كما وقع فعلاً، بل كما أرادت السلطة أن يراه.
وحادثة عرض فيلم المسألة الكبرى في السماوة سنة 1983 تكشف جانباً بالغ الخطورة من هذه السياسة. فالفيلم الذي قُدم بوصفه توثيقاً لـ ثورة العشرين، تجاهل عمداً أدواراً محورية لمدن الجنوب العراقي وشخصياتها، وفي مقدمتها شعلان أبو الجون، الذي كان اسمه مقروناً ببداية شرارة الثورة في الرميثة. لقد أراد النظام البعثي آنذاك أن يحتكر البطولة الوطنية ضمن قالب سياسي يخدم أيديولوجيته، وأن يختزل تاريخ العراق في شخصيات ورموز يختارها بعناية، بينما تُقصى الشخصيات المرتبطة بالبيئة العشائرية والدينية الجنوبية.
لكن اللحظة التي وقف فيها الشاعر الشعبي حداوي أبو عبد منشداً أهزوجته الشهيرة داخل السينما، كانت لحظة انتصار الذاكرة الشعبية على الرواية الرسمية. لقد تحولت الأهزوجة إلى وثيقة احتجاج، وإلى صرخة ضد محو الحقيقة. فالمسؤولون الذين حضروا العرض كانوا يدركون أن ما جرى ليس مجرد اعتراض عابر، بل فضيحة أخلاقية وتاريخية. كانت الأهزوجة تقول بوضوح إن الثورة لم تكن ملكاً للنظام، وإن الناس ما زالوا يحتفظون بأسماء أبطالهم الحقيقيين مهما حاولت السلطة طمسهم.
وفي الحقيقة، فإن تاريخ العراق مليء بشواهد مشابهة. فكم من شخصية وطنية أُقصيت لأنها لا تنتمي إلى مزاج السلطة؟ وكم من مدينة جرى تهميش دورها لأنها لا تنسجم مع الرواية السياسية السائدة؟
لقد تعرضت شخصيات دينية ووطنية وثقافية إلى تغييب متعمد. ففي فترات معينة، جرى تقليل شأن المرجعيات الدينية التي كان لها دور في مقاومة الاحتلال البريطاني أو التصدي للاستبداد، لأن السلطة كانت تخشى أي مرجعية تنافسها في التأثير الشعبي. وحتى الأدباء والشعراء لم يسلموا من ذلك؛ إذ كان يُحتفى بمن يمدح السلطة، بينما يُمنع أو يُلاحق من يكتب خارج خطابها.
أما الحروب، فهي المثال الأوضح على كتابة التاريخ وفق إرادة النظام. فخلال الحرب العراقية الإيرانية تحولت وسائل الإعلام إلى مصانع لإنتاج البطولات الرسمية، بينما أُخفيت الحقائق المتعلقة بالخسائر البشرية والاقتصادية الهائلة. كان الجنود العائدون من الجبهات يحملون رواية تختلف تماماً عما تبثه أجهزة الإعلام. وبعد سنوات، اكتشف العراقيون أن كثيراً مما قيل لهم لم يكن سوى تعبئة سياسية.
ثم جاءت غزو الكويت، فصُوّر للعراقيين على أنه معركة تاريخية ضد المؤامرة الدولية، بينما كان الشعب يعيش حصاراً خانقاً دمّر المجتمع لعقود. وبعد 2003 انقلب المشهد بالكامل؛ فكل ما كان يُقدَّم سابقاً بوصفه بطولة صار يُدان، والعكس صحيح. وكأن العراق لا يمتلك تاريخاً ثابتاً، بل تاريخاً يتبدل مع تبدل الحاكم.
بل حتى أحداث ما بعد 2003 نفسها أصبحت ساحة لصراع الروايات. فهناك من يصف ما جرى بأنه “تحرير”، وآخر يراه “احتلالاً”، وثالث يراه انهيار دولة بكاملها. وهناك من يروي سنوات العنف الطائفي من زاوية طائفته فقط، متناسياً أن الدم العراقي كان يسيل في كل المدن بلا استثناء. لقد أصبح كل طرف يكتب ذاكرته الخاصة، حتى بدا العراق وكأنه يعيش تواريخ متعددة لا تاريخاً واحداً.
ومن أخطر ما واجهه العراق أيضاً، تسييس المناهج الدراسية. فالطالب العراقي كان يدرس تاريخاً يتغير بين عقد وآخر. أسماء تُضاف، وأخرى تُحذف، وصور القادة تتبدل، واللغة نفسها تتغير. فالأنظمة لا تكتفي بالسيطرة على الحاضر، بل تحاول السيطرة على ذاكرة الأجيال القادمة. ولهذا كثيراً ما نشأ العراقيون وهم يجهلون حقائق أساسية عن بلادهم، أو يعرفونها بصورة مشوهة.
وفي المقابل، بقيت الذاكرة الشعبية تقاوم. فالأهازيج الجنوبية، والقصائد، والمجالس العشائرية، وحتى الحكايات التي تُروى في المقاهي، كانت تحفظ ما تحاول السلطة محوه. ولهذا تخاف الأنظمة دائماً من الشعر الشعبي أكثر مما تخاف من الكتب الأكاديمية، لأن القصيدة الشعبية تدخل الذاكرة الجمعية بسرعة، وتتحول إلى حقيقة متداولة بين الناس.
إن المشكلة الكبرى اليوم لا تكمن فقط في تزوير الماضي، بل في السؤال الأخطر: من يكتب تاريخ العراق الآن؟ هل يكتبه السياسي؟ أم الإعلامي؟ أم الناشط الإلكتروني؟ أم المؤرخ الحقيقي؟ فوسائل التواصل الاجتماعي صنعت فوضى هائلة في السرديات؛ كل شخص يمتلك منصة يروي منها الأحداث كما يشاء، وغالباً ما تكون الرواية محكومة بالانتماء الطائفي أو الحزبي أو القومي.
ولهذا فإن العراق اليوم بأمسّ الحاجة إلى مشروع وطني لحماية الذاكرة. نحن بحاجة إلى مؤرخين أحرار، وإلى أرشيف مفتوح، وإلى كتابة تعتمد الوثيقة لا الانفعال، والحقيقة لا الولاء. فالمؤرخ الحقيقي لا ينبغي أن يكون تابعاً للسلطة ولا أسيراً للجمهور. إنه ضمير الأمة، والشاهد الذي ينقل الوقائع كما حدثت، حتى لو أغضبت الجميع.
فالأمم التي تزور تاريخها تُنتج أجيالاً مشوشة، لا تعرف من كانت ولا إلى أين تذهب. وحين يفقد الشعب ثقته بروايته الوطنية، يصبح أكثر عرضة للتفكك والانقسام. إن أخطر أنواع الاحتلال ليس احتلال الأرض، بل احتلال الوعي. وحين تُسرق ذاكرة الشعوب، يصبح من السهل إعادة تشكيلها وفق مصالح القوى المتصارعة.
وربما لهذا بقيت تلك الأهزوجة التي صدحت في سينما السماوة أقوى من الفيلم نفسه. لأن الفيلم كان صوت السلطة، أما الأهزوجة فكانت صوت الناس. والسلطة قد تملك المال والكاميرا والمنبر، لكنها لا تستطيع أن تنتصر على ذاكرة شعب يعرف الحقيقة ويورثها لأبنائه جيلاً بعد جيل.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع
- بين الحلم والبندقية: سيرة عشقٍ لا ينجو من قدره
- انكسار الذوق العام بين زمن الأناقة وزمن الفوضى


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد الطيب - من سرق ذاكرة العراق؟