أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء














المزيد.....

اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 07:18
المحور: سيرة ذاتية
    


ثمةَ لحظاتٌ لا يخافُ فيها الإنسانُ من الموتِ بقدرِ خوفه من الضجيج الذي يعقبُه…
من تلك الكراسي المصطفّة ببرود، ومن فناجين القهوة التي تُدار كأنّها طقسٌ يوميٌّ لا علاقة له بالفقد، ومن الوجوه التي تأتي لتؤدي واجبًا اجتماعيًا ثم تعود إلى حياتها خفيفةً، فيما يظلّ الغيابُ ثقيلاً فوق صدر العائلة.
في ذروةِ مرضي، حين كان الألمُ ينهشُ جسدي ببطءٍ كحيوانٍ جائع، أوصيتُ أخي وصيّةً بدتْ غريبةً عند البعض، لكنها كانت أكثر الأشياء صدقًا في حياتي. قلتُ له:
لا تُقمْ لي مجلسَ عزاء…
لا أريدُ أن يتحوّل موتي إلى وليمةٍ كبيرة، يتقاسم فيها الناسُ الصحون والكلام البارد، ثم يغادرون وقد امتلأت بطونهم بينما يبقى قلبي وحيدًا تحت التراب.
كنتُ أرى في كثيرٍ من مجالس العزاء شيئًا موجعًا؛ فالحزنُ الحقيقيُّ لا يُقاس بعدد القدور، ولا بطول السرادق، ولا بعدد الذين حضروا ليقولوا الجملة ذاتها ثم ينشغلوا بهواتفهم.
الموتُ أكثرُ قداسةً من أن يُستهلك بهذه الطريقة.
والراحلُ لا يحتاجُ كلَّ هذا الإسراف كي يشعر الناسُ بأنّه كان موجودًا يومًا.
قلتُ له:
إنْ أردتَ أن تبرّني بعد رحيلي، فتصدّق عنّي للفقراء…
أعطِ ذلك الرجلَ الذي ينامُ جائعًا بعضَ خبزٍ يحملُ اسمي، وامنحْ يتيمًا دفءَ وجبةٍ صغيرة بدل أن تُهدر الأموال على موائدَ سينساها الجميع بعد ساعات.
هناك، في يدِ فقيرٍ ترتجفُ امتنانًا، أشعرُ أن روحي ستطمئنّ أكثر من ألف مجلس عزاء.
وأوصيتُه أيضًا أن يجمع العائلة حول عشاءٍ بسيط…
ليس للبكاء الصاخب، بل للذكرى.
أن يتحدثوا عنّي بحب، أن يضحكوا أحيانًا وهم يستعيدون مواقفي الصغيرة، أن يتركوا اسمي حيًّا في قلوبهم لا معلّقًا على لافتة سوداء عند باب شارع.
ما أقسى أن يموت الإنسان مرتين:
مرةً حين يتوقف قلبه، ومرةً حين يتحوّل غيابه إلى مناسبةٍ اجتماعية عابرة.
كنتُ أفكر دائمًا أن الموت يجب أن يكون نقيًّا، خفيفًا، بلا تكلّف.
فالذي يتعبُ في حياته لا يستحقُّ أن يُتعبَ أهله بعد رحيله.
يكفيهم ألمُ الفقد، فلا تُضاف إليه الديون، ولا إرهاق التحضيرات، ولا سباقُ إرضاء الناس.
ربما لأن المرض يجعل الإنسان يرى الأشياء بوضوحٍ مرعب…
حين تضعفُ أجسادنا، تسقطُ الأقنعة أيضًا، وندرك أن أكثر ما يحتاجه المرء في نهايته ليس الحشود، بل الدعاء الصادق، والقلوب التي أحبّته حقًا.
لهذا قلتُ لأخي بصوتٍ متعب:
إذا متُّ… فلا تجعلوا من موتي مهرجانًا للحضور.
اجعلوه لحظةَ رحمة.
أطعموا فقيرًا، واذكروني بمحبة، واتركوا لي مكانًا صغيرًا في دعائكم…
فالميتُ لا تؤنسه الولائم، بل تؤنسه الرحمة.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني
- لولا النساء لما عرف للبكاء دموع


المزيد.....




- حصري.. ما أسباب ارتفاع الوفيات في مراكز احتجاز إدارة الهجرة ...
- كأنها تطفو بين الغيوم..لقطات جوية تكشف أبراج أبوظبي وسط الضب ...
- قرقاش: هناك خلط محيّر للأدوار في ظل العدوان الإيراني.. والمو ...
- روسيا تحرك قوتها النووية قرب حدود الناتو.. ومناورات مشتركة م ...
- بعد 15 عاما من الإطاحة بالنظام: القضاء الليبي يبرئ 31 من رمو ...
- فريق بلدة ألمانية مغمورة يصنع التاريخ ويصعد إلى البوندسليغا ...
- أرسنال على بعد خطوة واحدة من التتويج بلقب الدوري الإنكليزي
- -استشيطوا غضبا من أجل فلسطين-.. كيت بلانشيت توبخ العالم من - ...
- هل أُجبر الألمان على الانضمام للحزب النازي؟.. خبير في الحركة ...
- صحفيون وهميون.. كيف صنع الذكاء الاصطناعي إعلاما مضللا في أمر ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء