أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد الطيب - وجع العمر الأخير














المزيد.....

وجع العمر الأخير


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 07:41
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


ليست الشيخوخة في ذاتها مأساة، فالتقدم في العمر قانون الحياة، غير أن المأساة تبدأ حين يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها أن جسده لم يعد يطاوعه، وأن الأمراض أصبحت رفقاءه الدائمين، وأن العالم الذي كان يركض خلفه ذات يوم صار بعيدًا عنه كأنه يخصّ أشخاصًا آخرين. عندها تتبدل نظرة الفرد إلى الحياة، وتهون في عينه المكاسب والخسارات، فلا يعود المال يغريه، ولا المناصب تعنيه، ولا حتى الخصومات القديمة تبقى ذات قيمة. يصبح هاجسه الوحيد هو الألم والموت، ويغدو الزمن ثقيلًا كصخرة على صدره.
فالإنسان في شبابه يعيش بوهم القوة والديمومة، يخطط ويصارع ويطمح ويغضب ويحب ويخسر، لكنه حين يدخل مرحلة الشيخوخة المرهقة، خصوصًا إذا تراكمت عليه الأمراض المزمنة، يبدأ بإعادة تعريف الأشياء كلها. إن خسارة صفقة مالية أو مكانة اجتماعية لا تبدو شيئًا أمام ليلة كاملة من الأرق أو ألم المفاصل أو ضيق التنفس أو الخوف من جلطة مفاجئة. هنا تنكمش الدنيا الواسعة لتصبح بحجم غرفة ودواء وسرير وانتظار.
لقد وصف الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور الإنسان المريض بأنه يفقد حريته تدريجيًا، لأن الألم يختزل الوجود كله في الجسد. فالصحة، كما يرى، هي التاج الصامت الذي لا يشعر به إلا المرضى. وهذه الفكرة تكشف عمق التحول النفسي لدى المسنّ الذي أثقلته العلل؛ إذ يصبح تفكيره محصورًا في كيفية اجتياز يومه بأقل قدر من الوجع.
وفي الأدب العربي شواهد كثيرة على هذا الانكسار الإنساني. فقد عبّر الشاعر أبو العلاء المعري عن ثقل الحياة في الكبر حين قال:
تعبٌ كلها الحياةُ فما
أعجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ
فالمعري هنا لا يتحدث عن يأس عابر، بل عن إدراك عميق لوهن الجسد وتعب الروح مع مرور الزمن. أما الشاعر المتنبي فقد أشار إلى قسوة الشيخوخة حين تصبح الروح شابة بينما الجسد ينهار:
وما الشيخوخةُ إلا ضعفُ أعظمِنا
أما النفوسُ فتبقى بعدُ شبّانا
إن أخطر ما يواجهه المسنّ المريض ليس المرض وحده، بل شعوره بأنه أصبح عبئًا على الآخرين. ففي المجتمعات الشرقية خصوصًا، كان الشيخ قديمًا يحتفظ بمكانته داخل الأسرة، لكن التحولات الاجتماعية الحديثة جعلت كثيرًا من كبار السن يعيشون عزلة قاسية، حتى وهم بين أبنائهم. فالأبناء منشغلون بالحياة والعمل، والعالم يتغير بسرعة لا يستطيع مجاراتها، فيشعر أنه خرج من زمنه. وهنا يتضاعف إحساسه بالهشاشة والاقتراب من النهاية.
ومن الناحية النفسية، يؤكد علماء الاجتماع أن الإنسان حين يتقدم في العمر تنتقل اهتماماته من “مشاريع المستقبل” إلى “مراجعة الماضي”. لذلك نجد المسنّ يستعيد ذكرياته باستمرار، يتحدث عن أيام القوة والعمل والأصدقاء الراحلين. إنه لا يفعل ذلك بدافع الحنين فقط، بل لأنه يشعر أن الماضي هو الجزء الوحيد الذي ما زال يملكه فعلًا، بينما الحاضر ينهار تحت وطأة المرض، والمستقبل يبدو غامضًا أو قصيرًا.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن بعض كبار السن يصلون إلى مرحلة لا يخشون فيها الموت ذاته، بل يخشون الطريق إليه؛ أي العجز الطويل، وفقدان القدرة على الحركة، والحاجة المستمرة إلى الآخرين. لذلك يصبح الموت عند بعضهم فكرة أقل قسوة من استمرار الألم. وهنا نفهم لماذا يفقد الإنسان اهتمامه بمعارك الدنيا الصغيرة؛ لأن من يواجه هشاشة الجسد يوميًا يدرك أن معظم صراعات البشر كانت وهمًا عابرًا.
ومع ذلك، فإن الشيخوخة ليست دائمًا زمن انهيار فقط، بل قد تكون أيضًا زمن حكمة وصفاء داخلي. فكثير من المسنين يصلون إلى حالة من التصالح مع الحياة، بعد أن يكتشفوا أن الهدوء أثمن من الصراع، وأن الطمأنينة أهم من الانتصارات. ولهذا كان الحكماء في الحضارات القديمة يُجلّون كبار السن لأنهم عبروا الحياة واكتشفوا هشاشتها الحقيقية.
إن الإنسان حين يثقل بالأمراض لا يعود يقيس الحياة بمقدار ما يملك، بل بمقدار ما تبقى لديه من راحة وكرامة وأمل. عندها فقط يفهم أن الجسد ليس مجرد وعاء للروح، بل هو بوابة الإنسان إلى العالم كله. فإذا تهدم الجسد، ضاقت الدنيا مهما اتسعت، وصار الموت فكرة تقف بصمت عند الباب، ينتظرها المرء أحيانًا بقدر ما يخشاها. ( كتبت في لحظة انهيار جسدي )



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر
- بين الموت والحزن… تتكسّر فينا ملامح الحياة
- عيونك مثل بغداد… حتى في الحزن حلوة
- ثمانية وثلاثون عامًا من ذاكرة عاشقة وامرأةٌ لم تغادرني


المزيد.....




- كييف تتعرض لهجوم روسي ضخم
- العاصمة الأوكرانية كييف تتعرض لقصف روسي كثيف وسط تحذيرات من ...
- ترامب يعلن تقدما في الاتفاق مع إيران وباكستان تأمل استضافة ج ...
- استنفار أمني في واشنطن عقب إطلاق نار قرب البيت الأبيض انتهى ...
- انفجارات تهز كييف بعد تحذيرات من هجوم روسي -ضخم-
- تمرد جمهوري.. هل بدأت سلطة ترمب تتراجع داخل الكونغرس؟
- عكس التوقعات.. لماذا يصعب على واشنطن تكرار -سيناريو فنزويلا- ...
- الطلقات تقطع البث.. رعب المذيعين قرب البيت الأبيض
- من مدان بالإرهاب إلى وزير للأمن.. كيف يعيد بن غفير تشكيل إسر ...
- عاجل | نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين: إيران وافقت على ال ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد الطيب - وجع العمر الأخير