أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حكمة الابواب المغلقة














المزيد.....

حكمة الابواب المغلقة


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 21:55
المحور: الادب والفن
    


في منعطفات الحياة الكثيرة، لا يكون الطريق المستقيم دائمًا هو الطريق الصحيح، ولا تكون الأبواب المفتوحة هي الأبواب التي تقود إلى السعادة. كثيرًا ما نقف أمام لحظة رفض فنراها كارثة، ونبكيها كما لو أنها نهاية العالم، بينما تكون في حقيقتها بداية نجاة لم ندرك معناها بعد. فالإنسان بطبيعته يرى الحاضر بعيني الرغبة، أما القدر فيرى المستقبل بعين الحكمة.
كم من شخصٍ تعلق بوظيفةٍ لم يحصل عليها، فامتلأ قلبه غصةً وحزنًا، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك الرفض قاده إلى عملٍ أكثر استقرارًا وكرامة. وكم من عاشقٍ أُغلقت في وجهه أبواب قلبٍ أحبّه، فظن أن الحياة انتهت، ثم أدرك لاحقًا أنه كان يطارد سرابًا وأن الرحيل أنقذه من عمرٍ كامل من الخيبة. نحن لا نحزن على ما فقدناه بقدر ما نحزن على الأحلام التي نسجناها حوله.
التاريخ نفسه مليء بالشواهد التي تؤكد أن الرفض ليس دائمًا لعنة. فقد رُفضت أفكار كثيرة غيّرت العالم لاحقًا، وتعرّض أصحابها للسخرية والإقصاء قبل أن تتحول آراؤهم إلى حقائق راسخة. وكثير من المبدعين والعلماء والأدباء ذاقوا مرارة الإبعاد والتهميش قبل أن تخلّدهم الذاكرة الإنسانية. لم يكن الرفض نهاية قصتهم، بل كان الفصل الأول منها.
وفي الأدب، نجد أن المآسي الكبرى لم تكن دائمًا بسبب ما فُقد، بل بسبب التعلق بما لم يكن مقدرًا له أن يبقى. فالبشر غالبًا يظنون أن سعادتهم محصورة في شخص أو مكان أو فرصة، بينما الحياة أوسع من تصوراتهم بكثير. إننا نُحزن أنفسنا لأننا نرى ما ضاع منا، ولا نرى ما أبعده القدر عنا من أذى.
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه قال بمعنى قريب من ذلك إن الإنسان لا ينمو إلا عبر ما يقاومه ويؤلمه. أما سورين كيركغارد فكان يرى أن الحياة تُفهم إلى الخلف ولكنها تُعاش إلى الأمام؛ لذلك لا نستطيع إدراك حكمة بعض الأحداث إلا بعد مرور الزمن عليها. فما يبدو اليوم جرحًا قد يتحول غدًا إلى درس، وما يبدو خسارة قد يكشف عن نفسه كنعمة مؤجلة.
تأمل الأشجار في مواسم الخريف. إنها تفقد أوراقها جميعًا، ولو كانت تملك وعيًا يشبه وعينا لظنت أن نهايتها قد اقتربت. لكنها في الحقيقة تستعد لربيعٍ جديد. كذلك الإنسان؛ بعض ما يفقده ليس موتًا، بل استعدادٌ لحياة أخرى. وبعض الأبواب التي تُغلق في وجهه ليست عقابًا، بل تحويلة طريقٍ نحو وجهة أكثر ملاءمة له.
ولعل أجمل ما في الزمن أنه يكشف الأسرار متأخرًا. بعد أعوام طويلة قد تمر بالمكان نفسه، أو تتذكر الشخص نفسه، أو تستعيد الحلم نفسه، فتبتسم بدل أن تتألم، وتقول في سرك: "الآن فقط فهمت لماذا حدث ذلك". عندها تدرك أن القدر لم يكن يحاربك، بل كان يحميك من نفسك أحيانًا، ومن أوهامك أحيانًا أخرى.
لذلك لا تبتئس من رفضهم، ولا تجعل قيمتك رهينة قبول الآخرين لك. فالأبواب التي أغلقت لا تُعرّفك، والطرق التي استبعدتك لا تنقص من قدرك. إن بعض أشكال الرحمة تأتي قاسية الملامح، وبعض وجوه النجاة ترتدي قناع الخسارة. وما نظنه انكسارًا في لحظته، قد نكتشف لاحقًا أنه كان أعظم ما حدث لنا.
فامضِ في طريقك مطمئن القلب. اترك خلفك كل بابٍ رفضك، وكل يدٍ أفلتتك، وكل فرصةٍ غادرتك. فما كُتب لك سيصل إليك ولو طال الطريق، وما لم يُكتب لك فإن خسارته ليست خسارة، بل نجاة لم تتضح حكمتها بعد. وفي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح الإنسان بعدد الأبواب التي فُتحت له، بل بعدد الأبواب التي أُغلقت في وجهه ثم شكر الله لاحقًا لأنها أُغلقت.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل
- مزاد
- حسين الأعرجي… حين تصبح الكلمة قدرًا
- إلى حكومتنا: حين تتحول الإيرادات إلى عبء على المواطن
- أحببتكِ حتى انطفأتُ
- الألم في مهنة المتاعب
- مفارقة السرد العسكري: بين إسقاط الطائرة وإنقاذ الطيار
- شاشات بلا ضمير: أبواق مأجورة تصنع الأزمات
- برودة الوداع
- ذاكرة متأخرة
- حين يذبل العمر ويبقى العطر


المزيد.....




- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...
- الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-. ...
- «بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان ...
- وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن ...
- انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت ...
- إمبريوم- و-أرض خرسانية- و-9 معابد للسماء- تتوج في مهرجان لند ...
- الفن والموسيقى في إيران ـ أدوات للاحتجاج ضد نظام الملالي في ...
- الجامعة العربية: الثقافة الإعلامية والمعلوماتية ضرورة حتمية ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حكمة الابواب المغلقة