أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - آخر معاقل العافية














المزيد.....

آخر معاقل العافية


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 06:33
المحور: سيرة ذاتية
    


لم يعد المرض عارضًا يمرّ بجسدي ثم ينصرف، بل أصبح وطنًا آخر يسكنني، وجيشًا لا يعرف معنى التراجع. كلما ظننت أن معركة قد وضعت أوزارها، سمعت قرع طبول حرب جديدة، ورأيت جحافل الألم تزحف نحوي بثبات، وكأنها اتفقت جميعًا على أن تجعل من هذا الجسد المنهك آخر ميادينها.
أشعر أنني لم أعد أعيش داخل جسدي، بل داخل حصنٍ متهدّم، تتساقط جدرانه حجرًا بعد حجر، بينما تقف الأمراض خارجه بآلاف الوجوه، تحمل معاولها، وتدفع أبوابه بعناد لا يلين. لا تمنحه هدنة مقاتل، ولا تسمح له بأن يلتقط أنفاسه، ولا تترك للعافية فرصةً لتعيد ترتيب ما بعثرته سنوات الوجع.
لقد كانت العافية يومًا شيئًا لا أفكر فيه، كانت تأتي كما يأتي الهواء، بلا استئذان، وبلا ثمن. أما اليوم فقد أدركت أنها أعظم النعم، لأنها حين ترحل، لا تترك خلفها سوى إنسان يفاوض ألمه منذ أن يفتح عينيه حتى يغلقهما، وإن استطاع أن يغلقهما.
كل صباح لم يعد بداية يوم، بل إعلانًا عن جبهة جديدة. أستيقظ متوجسًا مما سيضيفه هذا النهار إلى قائمة الأوجاع، وكأن الزمن لم يعد يقاس بالساعات، وإنما بعدد الآلام التي استطاعت أن تجد لها مكانًا في جسدي. حتى أصبحت أشعر أن أعضائي لم تعد تتحدث لغة واحدة؛ لكل عضو شكواه، ولكل عرق وجعه، ولكل نبضة قلب حكاية من الإنهاك.
أتعجب كيف يستطيع هذا الجسد أن يقف بعد كل هذا الخراب. كيف ما زال يحملني، وهو الذي أثقلته الأمراض حتى صار كل جزء فيه يطلب الرحمة. لقد صار التعب يسكن العظام، واستقر الإرهاق في الروح قبل الجسد، حتى غدوت أبحث عن يومٍ واحد لا أشعر فيه أنني أخوض معركة من أجل البقاء.
إن أقسى ما تفعله الأمراض ليس الألم، فالألم يمكن احتماله، وإنما أنها تسرق الإنسان من نفسه. تنتزع منه خفة روحه، وتطفئ اندفاعه، وتحوّل أحلامه الكبيرة إلى أمنية واحدة متواضعة: أن يمر يوم كامل بلا وجع، أو أن يستيقظ صباحًا فيجد جسده قد تذكر، ولو لمرة واحدة، كيف كانت الحياة قبل أن تهاجمه كل هذه الجيوش.
أحيانًا أشعر أنني آخر جندي يقف فوق أسوار مدينة محاصرة. لا مدد يأتي، ولا رايات النصر تلوح في الأفق، ومع ذلك أواصل الوقوف. ليس لأنني أملك قوة خارقة، بل لأن الإنسان خُلق وفي داخله قدرة عجيبة على احتمال ما كان يظن أنه لن يحتمله أبدًا.
لقد أرهقتني الحروب التي لا يراها أحد. حروبٌ لا يسمع الناس فيها صوت المدافع، لكنني أسمعها في مفاصلي، وفي نبض قلبي، وفي كل خطوة أخطوها. حروبٌ لا تترك على الجسد ندوبًا ظاهرة فحسب، بل تترك في الروح شقوقًا عميقة لا يرممها الزمن بسهولة.
ورغم كل هذا الخراب، ما زلت أرفع رأسي إلى السماء كل يوم، لا لأنني لم أعد أشعر بالوجع، بل لأنني أدرك أن رحمة الله وحدها قادرة على أن توقف هذه الجيوش عند حدودها، وأن تعيد إلى هذا الجسد بعضًا من عافيته، وإلى هذا القلب المنهك يقينًا بأن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من المجيء.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صرخة كاتب
- لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي
- وصية
- صولة الفجر.. هل هي حرب على الفساد أم إعادة تدوير للخداع؟
- حين عجزت الأرض… تكفّلت السماء
- أنا الذي لم أعد أنا
- على انقاض الخيبة يقف الكبرياء
- التعليم الذي انتهت صلاحيته
- عشقت كل النساء لأجلك ..
- اسألوا كبار السن عن الحب
- أوجاعٌ تحت الحصار
- حكمة الابواب المغلقة
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية


المزيد.....




- أمريكا تتوقع إعلان إيران فتح مضيق هرمز خلال الأيام المقبلة.. ...
- تحقيق لـCNN: صور أقمار صناعية جديدة تكشف احتمال قيام إيران ب ...
- ترامب يهدد بإبادة إيران بالكامل في حال استهدافه
- الاستخبارات الوطنية الأمريكية تبدأ موجة جديدة من تقليص الوظا ...
- مساعد بوتين: يتزايد دور القوة البحرية في العالم اليوم بوتيرة ...
- قتيل بهجمات أوكرانية على سفن في بحر آزوف
- الدفاع الروسية: استهدفنا بضربات جماعية ليلا مواقع مرتبطة بال ...
- معلقا على العقوبات الأمريكية الأخيرة.. عراقجي: الحل يكمن في ...
- -رويترز-: تصنيع صواريخ -باتريوت- سيتم في ألمانيا وقد ينقل إل ...
- مباشر- ترامب: الولايات المتحدة -ستبيد بالكامل- إيران إذا تم ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - آخر معاقل العافية