عماد الطيب
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 18:33
المحور:
سيرة ذاتية
ثمة لحظة قاسية في حياة الإنسان، لا تأتي بصخبٍ ولا بإنذارٍ واضح، بل تتسلل بصمتٍ كالموت البطيء؛ لحظة يجد فيها المرء نفسه غريبًا عن ذاته، كأن الجسد الذي يسكنه لم يعد جسده، وكأن الروح التي كانت تضج بالحياة صارت ظلًا باهتًا يتجوّل في فراغ الأيام.
المرض لا ينهك الأعضاء وحدها، بل يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، يهدم خرائطه القديمة، ويزرع فيه أسئلة لم يكن يجرؤ على الاقتراب منها. فجأة، تصبح الأيام مجرد أرقام معلقة في روزنامة باردة، تمر بلا معنى، بلا دهشة، بلا رغبة في انتظار الغد. كل ما كان يمنح الحياة طعمها يفقد بريقه، وتتحول اللحظات إلى عبء ثقيل يُحمل لا يُعاش.
في المرض، يكتشف الإنسان هشاشته الحقيقية. يرى كيف أن الجسد الذي طالما ظنه حصنه المنيع، يمكن أن يخونه في لحظة. يدرك أن القوة وهمٌ مؤقت، وأن الصحة ليست تفصيلًا عابرًا بل معجزة يومية لا ينتبه إليها أحد إلا حين تُسلب منه.
والأشد قسوة أن المرض يغيّر نظرتنا إلى البشر. نراهم بعمق أكبر، نقرأ وجوههم بلا أقنعة، ونفهم هشاشتهم وخوفهم ووحدتهم. تصبح العلاقات أكثر تعرّيًا، فبعضهم يقترب منك بدافع الحب، وبعضهم يبتعد لأنه لا يحتمل رؤية وجعه فيك. وهنا يكتشف الإنسان الحقيقة الصادمة: أن الألم غربالٌ قاسٍ، يصفّي الناس كما يصفّي المعاني.
المرض يجعلنا نكبر دفعة واحدة، لا في العمر، بل في الوعي. يسرق منا براءة النظر إلى العالم، ويمنحنا بدلًا منها بصيرة ثقيلة. نصبح أكثر إدراكًا لفناء الأشياء، وأكثر يقينًا بأن كل ما نركض خلفه قد يتبخر في لحظة.
وربما المأساة الأكبر ليست في المرض ذاته، بل في التحوّل الذي يتركه بعده؛ حين يرحل الوجع ويبقى أثره، وحين يعود الجسد جزئيًا لكن الروح لا تعود كما كانت. هناك شيء ينكسر إلى الأبد، شيء يجعل الإنسان يعيش بنصف دهشته القديمة، ونصف قدرته على الفرح.
هكذا، لا يعود السؤال: متى ينتهي المرض؟
بل: هل نستطيع يومًا أن نستعيد أنفسنا كما كنا قبل أن يمرّ بنا؟
#عماد_الطيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟