أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي














المزيد.....

لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 06:33
المحور: سيرة ذاتية
    


قالوا لي: لماذا كل هذا الحزن الذي يسكن كلماتك؟
لم أجبهم.
فبعض الإجابات لا تُقال إلا لمن كان سبب السؤال.
أما أنت...
فلو سألتني يوماً، لقلت إن الحزن لم يكن اختياري، بل كان العمر حين انتهى من تهذيب أوهامي.
كنت أعتقد أن الحياة تُعطى لمن ينتظرها، وأن الطرق الطويلة تنتهي دائماً عند نافذة مضيئة، وأن الإنسان إذا أحب شيئاً بما يكفي، فإن السماء تخجل من خذلانه.
لكنني كبرت...
واكتشفت أن السماء لا تخجل.
وأن الزمن لا يعتذر.
وأن بعض الأشياء لا تضيع لأنها كانت بعيدة، بل لأنها كانت قريبة جداً حتى ظننا أنها لن ترحل.
لم أعد أكتب لأنني أجيد الكتابة.
أكتب لأن في داخلي مقبرةً لا تتسع لموتٍ جديد.
كل يوم يدفن شيئاً آخر.
رغبةً...
أملاً...
انتظاراً...
أو جزءاً صغيراً من ذلك الرجل الذي كنت أعرفه.
أتعلمين ما الذي يفعله العمر بالإنسان؟
لا يجعله أكثر حكمة كما يقولون.
بل يجعله أقل قدرة على التصديق.
يفتح عينيه جيداً حتى يرى الحقيقة عارية، ثم يتركه وحيداً أمامها.
وحين يرى الحقيقة، لا يعود قادراً على العودة إلى الوهم، حتى وإن كان الوهم أكثر رحمة.
كنت أخاف من الشيخوخة لأنني كنت أظنها تجاعيد على الوجه.
واليوم...
أخافها لأنها أصبحت تجاعيد في الروح.
صار التعب يسكن الأماكن التي لا يراها أحد.
وصارت الضحكة تحتاج إلى معجزة.
وصار القلب، كلما أراد أن يفرح، تذكر أن الفرح أيضاً يرحل.
لم يعد يؤلمني أن الأشياء انتهت.
ما يؤلمني أنني كنت أؤمن بأنها لن تنتهي.
ذلك الإيمان هو الذي مات أولاً.
ومنذ موته، وأنا أشيّع نفسي بصمت.
أتعلمين...
هناك مرحلة من العمر لا يعود الإنسان فيها ينتظر الغد.
ليس لأنه يئس.
بل لأنه أدرك أن الغد يشبه الأمس أكثر مما يشبه الحلم.
في البداية كنا نعد السنوات حتى نكبر.
ثم أصبحنا نعدها خوفاً من أن تكبر فينا.
وها أنا أقف على حافة العمر، لا أنظر إلى ما بقي، بل إلى ما تسرب مني دون أن أشعر.
كم حلماً خرج من يدي كما يخرج الماء من بين الأصابع.
وكم أمنية ظلت تنمو داخلي حتى ذبلت دون أن تولد.
وكم كلمة احتفظت بها لأنني كنت أظن أن الوقت المناسب سيأتي.
لكن الوقت المناسب...
كان هو الشيء الوحيد الذي لم يأتِ.
أتعلمين لماذا تبدو كلماتي سوداء؟
لأن البياض يحتاج إلى مستقبل.
وأنا لم يعد لدي إلا الماضي.
الماضي وحده يجلس معي كل مساء.
يعيد الوجوه نفسها.
والأماكن نفسها.
والأصوات نفسها.
ثم يسألني بسخرية:
هل كنت تظن أن العمر ينتظر أحداً؟
لا...
العمر لا ينتظر.
إنه يمر فوقنا كما تمر الريح فوق شجرة يابسة.
لا يسمع أحد صوت انكسار الأغصان.
لكن الشجرة تعرف.
وحدها تعرف.
لم يعد يؤلمني الموت كما كان.
لقد صار الموت فكرة مألوفة، كمسافر أعرف أنه سيطرق الباب يوماً.
ما يؤلمني حقاً...
أنني متُّ مرات كثيرة قبل أن يأتي.
في كل خيبة.
وفي كل انتظار طال أكثر مما ينبغي.
وفي كل حلم صدقت أنه كُتب لي، ثم اكتشفت أنه كان مكتوباً لغيري.
ربما لهذا أصبحت صامتاً أكثر.
ليس لأن الكلام انتهى.
بل لأن الكلمات أيضاً تشيخ.
وفي الشيخوخة، لا تعود اللغة قادرة على حمل كل هذا الخراب.
لو سألتني الآن ماذا بقي لك؟
لقلت:
بقي ظل رجل، يمشي ببطء بين المقابر التي يسميها الآخرون ذكريات.
يحاول أن يبدو بخير، بينما هو يعرف أن الإنسان لا ينكسر في اللحظة التي يبكي فيها، بل في اللحظة التي يتوقف فيها عن انتظار شيء يفرحه.
لهذا لا تلومي كلماتي.
إنها ليست حزينة...
إنها متعبة.
متعبة من الركض خلف الأشياء التي كانت كلما اقتربت منها، ابتعدت أكثر.
ومتعبة من التصديق.
ومتعبة من مقاومة الزمن.
وأكثر ما أتعبها...
أنها كانت تؤمن أن بعض الوجوه لا يمكن أن تصبح غياباً.
ثم علمها العمر أن الغياب ليس أن يرحل أحد.
الغياب الحقيقي...
هو أن يبقى كل شيء في مكانه، بينما الذي كان يسكن قلبك، لم يعد يسكن العالم.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وصية
- صولة الفجر.. هل هي حرب على الفساد أم إعادة تدوير للخداع؟
- حين عجزت الأرض… تكفّلت السماء
- أنا الذي لم أعد أنا
- على انقاض الخيبة يقف الكبرياء
- التعليم الذي انتهت صلاحيته
- عشقت كل النساء لأجلك ..
- اسألوا كبار السن عن الحب
- أوجاعٌ تحت الحصار
- حكمة الابواب المغلقة
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...
- قراءة في شعور الوهن واقتراب النهاية
- ثرثرة الفراغ وصناعة العدم
- البداية من الطماطة… اختبار الوعي وحدود الفعل


المزيد.....




- كيف نحافظ على -أثر البدايات- دون أن نفقد الشغف في منتصف الطر ...
- شركات السلاح الغربية تطوّر وسائل قتال روسيا في أوكرانيا
- نقطة اللاعودة: الولايات المتحدة ستصطدم مع أوروبا بشأن أوكران ...
- تجربة فضائية لتشخيص الجلطات قد تحسن الرعاية الصحية على الأرض ...
- أول زفاف لروبوتين في روسيا.. الذكاء الاصطناعي يلتقي بتقاليد ...
- نظرية جديدة تكشف طريقة نقل أحجار ستونهنج العملاقة قبل آلاف ا ...
- Nothing تطلق هاتفها الأحدث قريبا
- دراسة كندية: منتجات الألبان كاملة الدسم آمنة في حال تناولها ...
- ترامب: سأطلب من المحكمة العليا إعادة النظر في قضية الجنسية ب ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قواعد أمريكية في الكويت و ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي