أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - هكذا نموت... ولا تكتمل صورتنا














المزيد.....

هكذا نموت... ولا تكتمل صورتنا


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 09:10
المحور: سيرة ذاتية
    


ليس الموت أكثر ما يخيف الإنسان، بل أن يرحل وهو يشعر أن شيئًا منه بقي معلقًا في منتصف الطريق. أن يغادر قبل أن يكتمل وجهه الحقيقي، وقبل أن يقول كل ما كان يريد قوله، وقبل أن يعانق من أحبهم العناق الأخير. هكذا نموت... لا كما تُروى الحكايات، بل كما تذبل الأشجار بصمت، وكما تنطفئ المصابيح التي ظلت تقاوم العتمة حتى آخر قطرة من زيت العمر.
نموت، ولا تكتمل صورتنا في الحياة. يبقى في داخل كل واحد منا طفل لم يكبر كما ينبغي، وحلم لم يجد نافذته، ورسالة لم تصل إلى صاحبها، واعتذار تأخر حتى صار بلا جدوى. نظل نؤجل الحياة، ونقنع أنفسنا أن الغد أكثر رحابة، وأن الأيام ستمنحنا فرصة أخرى لترميم ما تصدع في أرواحنا، لكن الغد ليس وعدًا، بل احتمال، والاحتمالات كثيرًا ما تخون أصحابها.
نموت، والحنين أكبر من أعمارنا. ليس الحنين إلى الأماكن وحدها، بل إلى النسخة القديمة من أنفسنا؛ إلى تلك الضحكة التي سرقتها السنوات، وإلى وجوه رحلت دون أن تمنحنا فرصة الوداع. كم من إنسان يحمل في صدره مدينة كاملة من الذكريات، لكنه يعجز عن العودة إليها، لأن الزمن لا يعيد أحدًا إلى الوراء، بل يدفع الجميع نحو النهاية، ولو كانوا يلتفتون في كل خطوة.
نموت، وفي قلوبنا أسماء لم يبهت بريقها. هناك أشخاص لا يغادروننا حتى وإن غابوا، يظلون يسكنون تفاصيلنا الصغيرة؛ في فنجان قهوة، أو أغنية عابرة، أو شارع مررنا به ذات مساء. نظن أننا تجاوزناهم، ثم نكتشف أن أرواحنا كانت تخفيهم في أعمق الزوايا، وأن الفراق لا يقاس بالمسافات، بل بما يتركه من فراغ لا يملؤه أحد.
والعجيب أن الإنسان يقضي نصف عمره وهو يطارد الأشياء، ثم يكتشف في النصف الآخر أن الأشياء كانت تطارده هي الأخرى لتسلبه عمره. يركض خلف المال، والمنصب، والانتصارات الصغيرة، حتى إذا اقترب من النهاية، لم يسأل نفسه كم جمع، بل سأل: مع من ضحكت؟ ومن بقي إلى جواري حين انطفأت الأضواء؟ لأن الحقيقة التي يتأخر الجميع في اكتشافها هي أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بعدد القلوب التي سكنتنا وسكناها.
نموت، وقد أثقلتنا الكلمات التي لم نقلها. كم مرة أخفينا حبًا خوفًا من الخذلان؟ وكم مرة كتمنا اعتذارًا لأن الكبرياء كان أعلى صوتًا من القلب؟ وكم مرة افترضنا أن الوقت طويل، فإذا به أقصر من أن يسمح بجملة أخيرة؟ لذلك يمتلئ العالم بأرواح رحلت وهي تحمل في داخلها مكتبات كاملة من الكلمات التي لم يقرأها أحد.
ثم يأتي الموت، لا ليقطع الحياة فقط، بل ليكشف هشاشتها. عندها تتساوى الألقاب، وتتلاشى الفوارق، ويعود الإنسان كما بدأ؛ مجرد روح تبحث عن السلام. فلا يبقى من الضجيج إلا الصمت، ولا من الصراعات إلا ذكرى باهتة، ولا من الجسد إلا حكاية يرويها الآخرون.
وربما كانت المأساة الكبرى أن الإنسان لا يموت مرة واحدة، بل يموت على دفعات. يموت حين يفقد أمه، وحين يغيب أبوه، وحين يخذله صديق، وحين يكتشف أن بعض الأحلام خُلقت لتبقى أحلامًا. وكل موت صغير يقتطع جزءًا من روحه، حتى إذا جاء الموت الأخير، لم يجد إلا ما تبقى من شظايا قلب أنهكته الحياة.
لهذا لا ينبغي أن نخاف الموت بقدر ما ينبغي أن نخاف أن نعيش دون أن نترك أثرًا من الرحمة، أو كلمة صادقة، أو يدًا امتدت لتنهض بإنسان. فالصورة التي لا تكتمل في الحياة قد تكتمل في ذاكرة من أحببناهم، وفي دعوة صادقة يرفعها غريب، أو ابتسامة زرعناها في وجه متعب.
هكذا نموت... لكن أكثر ما يؤلم ليس أن تتوقف أنفاسنا، بل أن تتوقف أحلامنا قبل ذلك بسنوات، وأن يسبق اليأس موت الجسد، وأن نغادر الدنيا بينما لا يزال القلب يلتفت إلى الخلف، باحثًا عن وجهٍ أحبه، أو بيتٍ اشتاق إليه، أو حياةٍ كان يتمنى لو امتلك متسعًا آخر ليعيشها كما كان ينبغي أن تُعاش. ففي النهاية، لا يموت الإنسان حين يغيب جسده عن الأرض، بل حين يكتشف، في اللحظة الأخيرة، أن الحياة كانت أقصر من كل ذلك الحنين.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آخر معاقل العافية
- صرخة كاتب
- لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي
- وصية
- صولة الفجر.. هل هي حرب على الفساد أم إعادة تدوير للخداع؟
- حين عجزت الأرض… تكفّلت السماء
- أنا الذي لم أعد أنا
- على انقاض الخيبة يقف الكبرياء
- التعليم الذي انتهت صلاحيته
- عشقت كل النساء لأجلك ..
- اسألوا كبار السن عن الحب
- أوجاعٌ تحت الحصار
- حكمة الابواب المغلقة
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير
- من سرق ذاكرة العراق؟
- بين ابتسامة الحلم ووجع الحقيقة .. اكتمال الغياب في حضرة القل ...


المزيد.....




- أمريكا تواصل ضرباتها على إيران.. وتصعيد جديد بين الحوثيين وا ...
- -كيف جنّدت إسرائيل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد؟- - نيو ...
- لفوفا بيلوفا: استمرار طلبات إعادة أطفال روس يعتقد وجودهم في ...
- الدفاع الروسية: نواصل استهداف الموانئ والسفن المرتبطة بالجيش ...
- مسؤول إيراني: رد -مدمر- ينتظر ترامب إذا نفذ تهديداته بقصف -ج ...
- السيسي يوجه رسائل هامة من البحرين عن دول الخليج
- صبري نخنوخ يدلي باعترافات مثيرة أمام القضاء المصري
- لافروف: الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تنتهك مذكرة التف ...
- تركيا.. العدالة والتنمية ينفي أنباء نقل -إس-400- للإمارات مق ...
- العراق يفتح تحقيقا في شبهات اختفاء 140 مليار دولار من الإيرا ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - هكذا نموت... ولا تكتمل صورتنا