أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - بعد آخر توقيع... تبدأ عزلة العمر














المزيد.....

بعد آخر توقيع... تبدأ عزلة العمر


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:39
المحور: سيرة ذاتية
    


ليس التقاعد نهاية وظيفة فحسب، بل بداية امتحان قاسٍ مع الزمن. ففي اللحظة التي يغادر فيها الإنسان مكان عمله للمرة الأخيرة، يكتشف أن الأبواب التي كانت تُفتح له كل صباح قد أغلقت بصمت، وأن العالم الذي كان يحتاج إليه بالأمس، مضى اليوم من دونه وكأنه لم يكن.
التقاعد دائرة مغلقة، يدخلها الإنسان بقدمين متعبتين، فلا يجد فيها إلا ساعات طويلة تتشابه حتى تكاد الأيام تفقد أسماءها. يستيقظ باكراً كما اعتاد عشرات السنين، ثم يتذكر فجأة أنه لم يعد هناك مكتب ينتظره، ولا زملاء يسألون عنه، ولا عمل يمنحه الشعور بأنه ما زال جزءاً من حركة الحياة. يلتفت حوله، فيجد الصمت هو الموظف الوحيد الذي لم يتقاعد.
وما أقسى أن يبلغ الإنسان عمراً جمع فيه الخبرة والحكمة، ثم يكتشف أن المجتمع لا يرى فيه إلا رقماً خرج من الخدمة. تتقلص دوائر العلاقات، وتبهت الاتصالات، ويصبح الهاتف الذي كان لا يهدأ، ساكناً كقبر. أما الأمراض، فتأتي تباعاً وكأنها تعرف أن الجسد لم يعد مشغولاً إلا بالانتظار، فتستوطنه بلا استئذان.
قد يكون التقاعد فقراً في الإحساس بالجدوى. إنه شعور مرير بأنك ما زلت قادراً على العطاء، لكن أحداً لم يعد يطلب منك شيئاً. وأنك تحمل بين ضلوعك تاريخاً طويلاً من التجارب، بينما العالم لا يسأل إلا عن الوجوه الجديدة، وكأن السنين التي أفنيتها في البناء قد مُسحت من الذاكرة.
والأشد إيلاماً أن الإنسان لا يموت مرة واحدة. هناك موت آخر يحدث ببطء؛ حين يشعر أن أحداً لم يعد ينتظر حضوره، وأن الأيام تمر من حوله من دون أن تترك له موعداً أو هدفاً أو حلماً جديداً. إنه موت صامت، لا تُكتب له شهادة وفاة، لكنه يسرق من الروح نبضها يوماً بعد يوم.
ومع ذلك، فإن المأساة ليست في التقاعد نفسه، بل في مجتمع لا يعرف كيف يحفظ كرامة الذين بنوا حاضره. فالإنسان لا تنتهي قيمته بانتهاء وظيفته، ولا تتوقف رسالته عند آخر راتب يتقاضاه. الخبرة لا تشيخ، والعقول لا تتقاعد، والقلوب التي أفنت عمرها في العمل لا تستحق أن تُترك وحيدة في مواجهة الفراغ.
إن أكثر ما يخيف في التقاعد ليس انقضاء سنوات العمل، بل أن يشعر الإنسان بأن الحياة نفسها قد أحالته إلى التقاعد، وأن الزمن صار يمضي من حوله، بينما يقف هو على الرصيف، يراقب قطارات العمر وهي تغادر الواحدة تلو الأخرى، من دون أن يتوقف أي منها عند محطته.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غرور العشرين... وحكمة الستين
- هكذا نموت... ولا تكتمل صورتنا
- آخر معاقل العافية
- صرخة كاتب
- لقد كبرتُ أكثر مما ينبغي
- وصية
- صولة الفجر.. هل هي حرب على الفساد أم إعادة تدوير للخداع؟
- حين عجزت الأرض… تكفّلت السماء
- أنا الذي لم أعد أنا
- على انقاض الخيبة يقف الكبرياء
- التعليم الذي انتهت صلاحيته
- عشقت كل النساء لأجلك ..
- اسألوا كبار السن عن الحب
- أوجاعٌ تحت الحصار
- حكمة الابواب المغلقة
- أجملُ ما اقترفتهُ المصادفة
- انا الخراب الوحيد
- وجع العمر الأخير
- اريد ذكرى دافئة .. لا مجلس عزاء
- بين الصحافة والحياة والمرض: سيرة رجل في المنعطف الأخير


المزيد.....




- موسكو تنتقد تراجع واشنطن عن اتفاق ألاسكا
- ترامب يروي ما أبلغه به رئيسا الصين وروسيا بشأن تسليح طهران
- -لا إغلاق لمضيق باب المندب-.. الحوثيون: حظر الملاحة البحرية ...
- -فرانس برس- عن مصادر دبلوماسية: الدول الأعضاء في الجنائية ال ...
- التحالف بقيادة السعودية يشن غارات في مدينة الحديدة غربي اليم ...
- الرئيس الأمريكي: لا قرار متخذ بعد بخصوص الضربات واسعة النطاق ...
- قناة -بي إف إم تي في-: ماكرون يطلب من الجيش التعبئة على خلفي ...
- تركيا تدين تصاعد أعمال الإرهاب الاستيطاني غير القانوني في ال ...
- الجنرال صدام حفتر يلتقي فيدان في أنقرة
- ظهور تنين في أجواء غلاسكو يثير فضول السكان


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - عماد الطيب - بعد آخر توقيع... تبدأ عزلة العمر