أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - حين يصبح حب الوطن عارٌ ينبغي التبرؤ منه..















المزيد.....

حين يصبح حب الوطن عارٌ ينبغي التبرؤ منه..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 16:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة شيء بالغ الفظاعة يحدث في العراق: أن يحبّ المرء وطنه فيُتَّهم، وأن يدافع عن فكرة المواطنة فيُسخر منه، وأن يقول إن العراقيين، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، شركاء في هذه الأرض والمصير، فينهال عليه بعبارة "وطنجي"، وكأن حب العراق عارٌ ينبغي التبرؤ منه، أو وثن جديد ينافس أصنام العقيدة!
أيّ زمن هذا الذي يصبح فيه الوطن سُبّة، والمواطنة تهمة، والولاء للأرض خطيئة، فيما يُقدَّم الولاء للطائفة بوصفه فضيلة لا تقبل النقاش؟ كيف وصلنا إلى لحظة يُطلب فيها من العراقي أن يعتذر عن عراقيته، وأن يثبت إخلاصه لمذهبه بالتبرؤ من أبناء وطنه، وأن ينظر إلى جاره المختلف في العقيدة بعين الريبة، حتى لو كان هذا الجار أشرف منه سيرةً وأنظف منه يداً وأكثر منه إنسانية؟
يقول البعض إن الوطن صنم، وإن الوطنية وثنية حديثة يعتنقها العلمانيون واللادينيون. حسناً، فلنسألهم: إذا كان حب الوطن عبادةً، فماذا نسمي تقديس الزعماء؟ وماذا نسمي تحويل العقيدة إلى معبود سياسي، والحزب إلى سلطة فوق المساءلة، وثروات البلد إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون باسم المذهب؟ ولماذا يصبح الوطن صنماً حين يطالبنا بالمساواة، ولا يصبح الزعيم صنماً حين يطالبنا بالطاعة؟
الوطن ليس منافساً للعقيدة؛ إنه المكان الذي يمنع العقائد من تحويل اختلافها إلى حرب أبدية. وليس مطلوباً من الإنسان أن يتخلى عن إيمانه كي يكون وطنياً، بل أن يتخلى عن وهم امتلاك الحق في مصادرة إيمان الآخرين وحريتهم وحقوقهم.
انظروا إلى العالم. يعيش على هذه الأرض نحو 2.3 مليار مسيحي، وأكثر من 1.2 مليار هندوسي، ومئات الملايين من البوذيين، ونحو ملياري مسلم. ديانات كبرى، ومذاهب ومدارس وتصورات متباينة، لكل منها تاريخها وأسئلتها ومقدساتها. فهل ينبغي لكل جماعة أن تعلن الحرب على سائر الجماعات حتى تثبت إخلاصها لعقيدتها؟ وهل يُعقل أن تتحول الأرض إلى ميدان تصفية حسابات بين مليارات البشر، لأن كل فريق قرر أن الحقيقة لا تتسع إلا له؟
ماذا لو قررت جماعات مسيحية متشددة أن توحيد العالم بالقوة واجب مقدس، وأن المسلمين أعداء ينبغي إخضاعهم؟ وماذا لو قررت جماعات هندوسية أن اختلاف العقيدة مبرر لملاحقة المسلمين واضطهادهم؟ وماذا لو استيقظ العالم غداً على تحالف ديني عابر للقارات، يعلن أن كل من لا يؤمن بما يؤمن به هو عدو يستحق القتل؟
طبعاً، سنسمّي ذلك تعصباً دينياً، واضطهاداً، وجنوناً سياسياً. ولن نقبل من أحد أن يبرره تحت أي مسمى.
لكن لماذا يصبح المنطق نفسه مقبولاً حين يُوجَّه إلى العراق، وحين يُطلب من الفرد أن يضع مذهبه فوق وطنه، وأن يرى اختلاف جاره تهديداً، وأن يتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة طائفية لا عقداً مشتركاً بين مواطنين متساوين؟
بحسب تقديرات مركز "بيو" للأبحاث، يشكّل السنة نحو 87 إلى 90 في المئة من مسلمي العالم، والشيعة نحو 10 إلى 13 في المئة. فماذا لو قررت جماعات متشددة من الأكثرية السنية أن هذه الغلبة العددية تمنحها حق إخضاع الشيعة، وأن العقيدة تبيح لها انتزاع حقوقهم أو إخراجهم من المجال العام؟ ألن يكون ذلك ظلماً مرفوضاً؟ ألن نقول إن الأكثرية لا تمنح أصحابها حق امتلاك الوطن، وإن العقيدة لا تبرر اضطهاد الإنسان؟
لنتأمل حال المسلمين في ولاية غوجارات الهندية، حيث يشكّل المسلمون أقلية وسط أكثرية هندوسية، وقد شهدت الولاية توترات وعنفاً طائفياً دامياً. يبلغ عدد المسلمين فيها، وفق تعداد الهند لعام 2011، نحو 5.8 ملايين، يرفعون بقوة شعار "نريد دولة علمانية". فوجودهم بوصفهم أقلية يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: أليس من مصلحتهم التمسك بدولة علمانية تحمي الحقوق بالتساوي، وتمنع تحويل الأكثرية الدينية إلى سلطة فوق القانون؟ فالعلمانية، بمعناها الذي يضمن حياد الدولة تجاه الأديان والمساواة بين المواطنين، ليست حرباً على الإيمان؛ بل ضمانة لحماية المؤمنين أنفسهم من استبداد باقي الطوائف الدينية، ومنع أي جماعة من تحويل عقيدتها إلى امتياز على الآخرين.
فلماذا لا يُطرح السؤال نفسه على الجماعات الشيعية التي تروّج لأولوية الولاء المذهبي على المواطنة، أو تغذّي الكراهية تجاه المختلف، أو تتعامل مع العراق باعتباره امتداداً لمشروع عابر لحدوده؟
في الواقع، ليس الشيعة جميعاً مسؤولين عن خطاب بعض القوى الدينية والسياسية، مثلما لا يتحمل السنة جميعاً جرائم المتشددين من بينهم. لكن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للصمت الحكومي، فحين تحرّض جماعة على الكراهية والقطيعة، يجب أن توضع تحت طائلة المساءلة القانونية عن خطابها وأفعالها؛ لا أن تُمنح حصانة لأنها تتحدث باسم المقدس.
إن العراق لا يستطيع أن يعيش إذا كان كل مذهب يريد دولة على مقاسه، وكل حزب يريد وطناً يتماشى مع مصالحه. فالدولة التي تتقاسمها الهويات المتناحرة لا تعود دولة بالمعنى الحقيقي، بل تتحول إلى فندق تتقاسم غرفه جماعات لا تثق ببعضها، بينما تتهاوى أساسات بناءه تدريجيا.
فلماذا يُراد للعراق أن يسير في الاتجاه المعاكس؟ الجواب ببساطة، لأن الوطن الحقيقي خطر على تجار الهويات. فالمواطن الذي يطالب بحقه، بصفته عراقياً أولا، لن يسهل إخضاعه بالخوف الطائفي، ولن يسهل إسكاته بشعار مذهبي، ولا يمكن إقناعه بأن سرقة المال العام أقل قبحاً حين يرتكبها شخص من جماعته. أما حين يُختزل الإنسان في طائفته، يصبح قابلاً للتعبئة ضد جاره، وقابلاً للدفاع عن الفاسدين.
يا اصحاب المنابر، يا تجار القطيعة والكراهية، عليكم ان تدركوا ان الوطن ليس صنماً. الصنم الحقيقي هو كل فكرة تطلب من الإنسان أن يذبح إنسانيته كي يثبت إيمانه. فإذا كان حب العراق صنماً، كما تزعمون، فأخبرونا ما الاسم الذي ينبغي أن نطلقه على تقديس العقيدة، وعبادة الزعيم، وتبرير الفساد، والصمت عن خراب البلاد؟
أيها الساخرون من "الوطن والوطنجية"، اعلموا ان الوطن ليس سُبّة. السُّبّة الحقيقية أن يحتاج الإنسان إلى إذن كي يحب بلاده، أن يخجل من عراقيته كي يثبت ولاءه العابرة للحدود. والأكثر إيلاماً أن يصبح الدفاع عن العراق تهمة، فيما تمزيقه باسم العقيدة فضيلة..



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرين: بين ألم الواقع وصحوة التغيير..
- رواندا.. ومحنة بلاد الرافدين..
- الحط من قيمة الانسان العراقي..
- بابل... حين تُختصر الحضارة بمؤخرة سائحة..
- حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..
- الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..
- أسماء مختلفة لشيء واحد..
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.


المزيد.....




- مصممة إماراتية تنقل رؤيتها للتراث إلى مشاغل -دولتشي آند غابا ...
- رامافوزا: انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ستفتح حقبة جديدة ...
- مستشار الحرس الثوري: الرد الإيراني على أي هجوم من قواعد خليج ...
- مصر وتركيا تبدآن مناورات بحرية مشتركة وسط خلافات بشأن الاتفا ...
- الشرطة الهندية تفتح قضية جنائية ضد محاح دفاعا عن لافروف
- من هو عبد الرحمن السيد، أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي؟
- إيران تقول إن ردها على الهجمات سيتجاوز القواعد الأمريكية في ...
- رغم التشكيك والهجمات.. فوز عبدول ومرشحين ذوي أصول عربية من أ ...
- قيادي بمستقبل وطن: دعوة الرئيس السيسي لاحتواء الأزمة الأمريك ...
- المغرب.. نفاد الوقود يوقف سيارة إسعاف تقل حاملا!


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - حين يصبح حب الوطن عارٌ ينبغي التبرؤ منه..