عباس موسى الكعبي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 13:30
المحور:
الادب والفن
توفي صديقي فراس في الساعة الثانية من فجر يوم الأحد، التاسع عشر من تموز/يوليو، وهو جالس أمام شاشة التلفاز في غرفته. كان وحيدا. وهذا، على نحو ما، كان أكثر الأشياء التي تشبه حياته.
بعد موته بأيام، اتصلت زوجته وطلبت مني أن آتي إلى البيت. كانت تريد بيع مكتبته، بيع الكتب التي جمعها طوال حياته، كتابًا بعد آخر، كما لو أنها تبيع أجزاءً من رجل لم يعد موجودًا للدفاع عن ممتلكاته. ذهبتُ في مساء شتوي هادئ، ودخلتُ غرفة فراس للمرة الأولى بعد موته. كان كل شيء في مكانه تقريبًا؛ السرير الذي اعتاد أن ينام عليه، الطاولة الصغيرة، النظارة التي كان يضعها حين يقرأ، وبعض الأقلام والأوراق، وحتى جهاز التلفزيون الذي كان آخر ما شاهده قبل رحيله. لم يكن في الغرفة ما يدل على أن صاحبها غادرها إلى الأبد، سوى ذلك الصمت الثقيل الذي يهبط على الأشياء حين تفقد الشخص الذي كان يمنحها معناها.
قالت لي وهي تحاول أن تخفي ارتباكها: " أنت تعرف قيمة هذه الكتب أكثر مني. ساعدني في فرزها".
جلستُ أمام مكتبته وبدأتُ أفرز الكتب. كنتُ أعرف فراس منذ سنوات طويلة، وكنت أظن أنني أعرفه جيدًا، لكنني اكتشفت في تلك الليلة أنني لم أكن أعرف منه إلا الرجل الذي كان يسمح لنا بأن نراه، أما الرجل الآخر، ذلك الذي عاش خلف صمته الطويل، فلم أقترب منه قط.
وجدت بين ثنايا الكتب دفتر يوميات قديم، بغلاف أسود، متآكل الحواف، وكأنه ظل سنوات طويلة مختبئًا في العتمة. فتحتهُ بدافع الفضول، فوجدتُ في الصفحة الأولى ملاحظة بخط فراس تقول إن ما في الدفتر ليس يوميات بالمعنى المعتاد، وإنما محاولة لتدوين السنوات التي مرت به منذ طفولته حتى مرضه الأخير، وأنه كتبها لأنه لم يجد في حياته شخصًا يستطيع أن يسرد له كل ما ظل يحمله في داخله.
بدأتُ القراءة، ولم أرفع عيني عن الصفحات إلا بعد منتصف الليل.
جلستُ أتأمل هذه اليوميات بعناية. ثم واصلتُ القراءة: "انا فراس، كنت في التاسعة من عمري، في الصف الثالث الابتدائي، حين طلب منا معلم مادة الفنية شراء أقلام تلوين. لم أكن اعلم أن طلبًا صغيرًا كهذا يمكن أن يفتح بابًا على كامل حياتي. كانت عائلتي فقيرة، وكان أبي أكثر فقرًا في قلبه منه في جيبه؛ رجلًا شديد الأنانية، لا يرى في المال إلا شيئًا يخصه، ولا يرى في أبنائه إلا أفواهًا ينبغي أن يطعمها بأقل ما يمكن. وذات صباح مشؤوم، تشاجر ابي مع أمي، كعادتهما، حول مصروف البيت، ثم خرج غاضبًا. انتظرتُ حتى هدأ البيت. وذهبتُ إلى أمي طالبا: " أمي، أريد نقودًا لأشتري ألوان لدرس الفنية. فجأة، انفجرت أمي غاضبة. نعم، فجرت في وجهي كل الأشياء التي لم تستطع أن تقولها لأبي. فقدت أعصابها، وأسقطتني أرضًا، ثم أخذت تضربني بعصا الخيزران على رأسي حتى سال الدم على وجهي وملابسي وفراشي..
ظل ذلك المشهد حيًا في ذاكرتي أكثر من أي صورة أخرى من صور طفولتي. أكثر ما بقي في ذاكرتي لم يكن الألم، وإنما دهشتي من أن طفلا يمكن أن يطلب شيئًا تافهًا من أمه، فيجد بدل الحنان عصا تهوي على رأسه. وعندما رأت أمي الدم، أسرعت مع جدتي إلى تضميد جراحي بقطعة قماش بالية، مع وضع القليل من النفط الأبيض على رأسي.. انا ذلك الطفل الهزيل المريض الذي طالما عانى من سوء التغذية الحاد، اليوم ينزف دما أيضا. كنت أسعى لتفادي عقاب معلم الفنية، لكني حصلت على عقاب أشد قسوة. أكثر ما يؤلمني أنني لم أبكِ من الضرب، وانما بكيت لأنني فهمت، للمرة الأولى، أنني لا أستطيع ان اطلب الاهتمام من أي كائن، حتى لو كان أمي".
وأضاف: "كبر الجرح، وكبرتُ معه، وظلت الندبة فوق رأسي؛ تظهر تضاريسها كلما حلقتُ شعري، فتبدو كأن ورمًا صغيرًا استقر في مقدمة جمجمتي. وكلما نظرتُ إليها اتذكر، لا الضربة وحدها، وإنما اللحظة التي اكتشفتُ فيها أن البيت الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا يمكن أن يكون أول مكان يتعلم فيه الإنسان الخوف."
في الصفحة الأخرى، يستطرد فراس قائلا: "بعد التخرج من الكلية، وجدت نفسي في جبهات القتال. كان ذلك أيام غزو الكويت، عندما تحولت البلاد كلها إلى غرفة انتظار كبيرة للموت. كنت شابًا، لكني شعرت يومها أن عمري أكبر من الحرب ذاتها. بقيت أكثر من أربعين يومًا في ارض المعركة، في حالة استعداد دائم، انتظر مع الجنود، لا نعرف متى تبدأ المعركة ولا إن كنا سنعود منها احياء ام رفات. كان الوضع مقلقا والضباط يجتمعون كل يوم. صدرت أوامر بإيقاف الاجازات الدورية. وبعد محاولات حثيثة، تمكن أحد أصدقائي من إيجاد حيلة للهروب من هذه المعركة بالحصول على كتاب مأمورية إلى بغداد، وأدرج اسمي مع اسمه".
"الان انا في طريقي إلى بغداد، محملًا بغبار الصحراء، وبحاجة قديمة إلى أن اشعر، ولو لمرة واحدة، بأن هناك بيتًا ينتظرني. كنتُ اتخيل لحظة دخولي الى البيت، وكيف سينهض أبي من فراشه متلهفا للقائي، وإخوتي سيحتضنونني بأذرعهم الممدودة لعناقي، وأقاربي سيحيطون بي شوقا ومحبة. تخيلتُ أن باب البيت سيعلم أنني عدت، وسيُفتح من تلقاء نفسه ترحيبا بمقدمي. دخلتُ إلى الدار، ولم أجد شيئًا من خيالاتي. استقبلني أبي ببروده المعتاد، وإخوتي كانوا منشغلين بأشياء أخرى، وأقاربي لم يبدوا اهتمامًا بحضوري. لم يكن في استقبال العائد من الجحيم شيء يشبه تلك الأحضان التي ظل يتخيلها طوال الأيام التي قضاها بين الخنادق. وحدها أمي، التي كانت مريضة يومها، احتضنتني وهي تبكي."
ويضيف فراس بحسرة: " اكتشفت أنه حتى الموت لا يجعلنا مهمين للآخرين."
وفي الصفحة التالية كتب: " بعد انتهاء الحرب، وفرض الحصار الاقتصادي على البلد، وبقاء الدكتاتورية وتوحشها، وجدتُ نفسي في مدينة تغيرت بسرعة، بينما بقيتُ عالقًا في مكاني. بحثتُ عن عمل يليق بي، فلم أجد، وانتهى بي المطاف في شارع المتنبي، افترش الرصيف لبيع الكتب المستعملة، ابيع ما أستطيع بيعه واشتري ما أستطيع شراءه، واعيش بين الكتب التي كنت ومازلت اشعر أنها أكثر وفاءً من البشر."
وفي الصفحة الاخرى، قرأتُ: "أحببتُ امرأة، وأحبتني، وبعد مدة تزوجنا، كنت اظن ان حياتي ستسير نحو الأفضل. وللمرة الأولى، ظننت أن الحياة قررت أن تعتذر لي، غير انها لم تفعل."
ويضيف: "علمتني الحياة ان لا أخشى فقدان أي كائن، لأن شيئًا بداخلي كان قد تعود على الفقد والغياب".
قلبتُ عدد من الصفحات، حتى لفتت انتباهي هذه الكلمات الحزينة: " قدمتُ اوراقي الى سفارة ليبيا لغرض التدريس. كان علي ان اتدبر أمر الأموال اللازمة للسفر. فشرعتُ ببيع ممتلكاتي البسيطة على جانب مكتبتي الموجودة في غرفتي. حملتها الى شارع المتنبي لبيعها. وحين عدتُ وجدت أحد اخوتي قد استولى على بعض ممتلكاتي الاثيرة واخذها الى بيته دون ان يستأذن مني، وان عمي قد اخذ بعضها الى بيته هو الآخر، وكأنني غريب تم سلبه ونهبه."
ويردف: "سافرتُ الى ليبيا مع زوجتي بصفتي مدرس. كانت الرحلة متعبة وغير مجدية. قضينا سنتين هناك. وبعدها عدنا بعد ان سقط النظام عام 2003. رجعتُ الى بيتي فوجدتُ أحد اخوتي قد شغل غرفتي وتزوج فيها، ولم يبق لدي مكان اذهب اليه في البيت سوى زاوية في غرفة تكاد تشبه الخرابة المهملة. وذهبنا انا وزوجتي لقضاء ليلتنا فيها حتى اتدبر امر ايجار سكن جديد. وفي الصباح، وجدت صورة تخرجي من الكلية ممزقة ومرمية في أحد دهاليز البيت، لا أحد يكترث لها، ووجدت الكثير من كتبي قد تم حرقها بحجة الحاجة الى حطب لتنور الخبز، وبعضها مرمية على الأرض بإهمال تام، ووجدت ان بعض العملات التي كنت احتفظ بها كهواية قد سُرقت..".
قلبتُ الصفحة، فوجدتُ: "مات أخي الأصغر في مدينة الموصل على يد تنظيم داعش. الآن فهمت لماذا يخاف الإنسان من الموت، لأنه لا يفقد شخصًا واحدًا، بل يفقد كل الأشياء الجميلة التي عاشها معه."
ويواصل: "كانت تلك الضربة أثقل مما يستطيع قلبي أن يحتمل، ودخلتُ بعدها في اكتئاب حاد، وبعد أشهر قليلة أصبتُ بجلطة قلبية أفقدتني الوعي وأدخلتني العناية المركزة لمدة أربعة أيام. وعندما خرجتُ منها لم تعد حياتي كما كانت. فقدتُ عملي بسبب المرض، وصرتُ اعتمد على الأدوية، وأصبح المرض جزءًا من يومي، بينما أخذ الذين يفترض أن يكونوا أقرب الناس إلي يبتعدون شيئًا فشيئًا".
كان يكتب عن إخوته وأقاربه بمرارة هادئة، لا تشبه غضب رجل يريد الانتقام، بل تشبه خيبة رجل تعب من انتظار شيء يعرف أنه لن يأتي. ويستأنف قائلا: "لم يكن أحد يسأل عني في الأيام العادية، بل حتى في الأعياد والمناسبات. في كل عيد فطر وعيد أضحى، كنتُ اشتري المعجنات والعصائر أملا في ان يزورني أحدهم، وكنت في كل مرة أفشل في حجم توقعاتي. لم يكن هاتفي يرن إلا عندما تزداد حالتي سوءًا وأصبح على وشك الموت. حتى أبي، الذي كان يفترض أن يكون سندًا لي في سنوات مرضي، ظل الرجل نفسه الذي عرفته في طفولتي؛ قريبًا بجسده وبعيدًا بقلبه. أما أمي، فهي لم تعرف كيف تحبني، وربما لم تكن تملك الشجاعة الكافية لتكون أُمًا، فمازلتُ احمل تجاهها جرحًا لا يعرف كيف يلتئم، رغم أنها كانت الشخص الوحيد الذي احتضنني حين عدتُ من الحرب. أقاربي واصدقائي لا يهمهم إن نمتُ شبعانًا أم جائعًا، انهم ينتظرون موتي ليتسابقوا على القدوم لتعزية أهلي، وإطلاق خطابات الرثاء المملة بحقي".
قلبتُ الصفحة على عجالة، لاقرأ: "ماتت أمي، وبعدها مات أبي. لم اشعر بفراقهما، ولا الحنين لهما، ولا الاشتياق للحديث معهما. ولم اشعر بذلك الفراغ الذي يتركه الموت في البيوت. كنت أظن أنني سأحزن حين يموت الوالدين، لكني اكتشفتُ أن بعض الاباء يموتون داخل قلوب أبنائهم قبل أن يموتوا بسنوات طويلة."
في الصفحات الأخيرة كان خط يد فراس أكثر ارتجافًا، وكأن اليد التي كتبته كانت تعرف أنها تكتب لما بعد النهاية. يقول: "حياتي باتت كئيبة برفقة المرض والأدوية والملل والوحدة وفقدان الشغف... لم اعد أجد سببًا مقنعًا للبقاء؛ لا أبناء يحتاجونني، ولا عائلة تخشى أن اتركها وحيدة، ولا أخوة سيشعرون كثيرا بغيابي، ولا أصدقاء سيفتقدونني. لم أعد أشعر أن غيابي سيؤلم أحدًا."
توقفتُ طويلًا عند هذه الجملة القاسية، لأنني كنت أحد أصدقائه. وفجأة شعرت بالخجل. كيف يمكن لرجل أعرفه منذ سنوات أن يموت وهو مقتنع بأنه لن يشعر بغيابه أحد؟ وكيف استطاع أن يجلس إلى جواري كل تلك السنوات دون أن ألاحظ أنه كان يختبر في داخله مقدار غيابه عني؟ ربما كان ينتظر مني اتصالًا لم أجريه، أو زيارة لم أقم بها، أو سؤالًا بسيطًا عن صحته لم يخطر في بالي أن أطرحه.
أغلقتُ الدفتر، وانا اتأمل السطر الأخير طويلًا. بقيتُ جالسًا في الغرفة نفسها التي مات فيها، أتخيل كيف كان ذلك المساء. كان فراس في الثانية فجرًا، جالسًا أمام شاشة التلفاز يتابع مباراة كرة قدم، وحيدًا كما عاش معظم سنواته، ثم انطفأ كل شيء بهدوء، من دون صرخة ألم أو رجاء، ودون يد تمتد إليه، أو شخص يكتشف غيابه في تلك اللحظة المشؤومة. لقد أصبح مثل كثير من الموتى الذين نكتشف قيمتهم بعد أن يغلق الموت الباب خلفهم.
لم أعرف ماذا أفعل الآن. هل أحرق مذكراته وأحفظ اسراره؟ أم أنشرها، فأمنحه بعد موته شيئًا لم يمنحه إياه أحد في حياته؟
#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟