أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - من ضحية التاريخ إلى أسير له..














المزيد.....

من ضحية التاريخ إلى أسير له..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 22:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في السياسة، هناك فرق كبير بين أن تتذكر الجراح وأن تعيش داخلها، بين أن تستلهم مآسي الماضي لبناء مستقبل أفضل، وبين أن تجعل من الألم هوية دائمة ومصدراً للشرعية. فحين تتحول المظلومية من ذاكرة تاريخية إلى مشروع حكم، يصبح الماضي حاكماً للحاضر، وتتحول الشعوب من ضحايا للتاريخ إلى أسرى له.
لطالما كانت المظلومية جزءاً من ذاكرة جماعات كثيرة حول العالم؛ فالأمم والطوائف والشعوب تحمل صفحات مؤلمة من تاريخها. لكن السؤال الأكثر خطورة يبدأ عندما تدخل هذه الذاكرة إلى ميدان السياسة، وعندما يصبح استدعاء المآسي القديمة وسيلة لحشد الجماهير، وتبرير القرارات، وخلق خصوم دائمين.
بعض القيادات السياسية "المحسوبة على الشيعة" في المنطقة بنت خطابها على فكرة تاريخية مفادها أن هناك ظلماً ممتداً عبر قرون، وأن استعادة الحق لا تكون إلا عبر مشروع سياسي عابر للحدود. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل الهدف هو تجاوز الماضي وبناء دولة حديثة، أم إعادة إنتاج الماضي بأدوات جديدة؟
إن أخطر لحظة في حياة أي مشروع سياسي هي اللحظة التي يتحول فيها الشعور بالظلم إلى شعور بالتفوق، وحينما تنتقل الجماعة من المطالبة بالعدالة إلى احتكار الحقيقة. فالدولة لا تُبنى بمنطق "نحن أصحاب الحق التاريخي"، بل بمنطق أن جميع المواطنين شركاء في الحاضر وفي بناء المستقبل.
في العراق، بعد سقوط النظام السابق، كان هناك أمل في بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والقانون، لكن صعود بعض القوى السياسية التي قدمت نفسها باعتبارها ممثلة لمظلومية تاريخية أثار جدلاً واسعاً حول مفهوم الدولة، فهل الدولة لجميع العراقيين أم أنها تعويض تاريخي لطرف سياسي معين؟ وهل تغيير موازين القوة يعني بالضرورة تحقيق العدالة، أم أنه قد يؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة؟
المفارقة أن بعض المشاريع التي بدأت بشعار رفع الظلم عن أتباعها انتهت إلى صراعات لا تنتهي مع الآخرين، بل وجلب المآسي على مريديها. فكلما زاد عدد الخصوم، زادت الحاجة إلى خطاب المظلومية، وكلما زادت الحاجة إلى هذا الخطاب، أصبح الخروج منه أكثر صعوبة. وهكذا تتحول المظلومية من جسر نحو العدالة إلى جدار يعزل الشعوب عن بقية العالم.
وفي المحيط الإقليمي، دفعت سياسات المواجهة المفتوحة ثمناً باهظاً من أرواح ودماء واقتصاد واستقرار. فالمشاريع التي تدخل في صراع دائم مع الجيران والقوى الدولية قد تحقق انتصارات إعلامية مؤقتة، لكنها تواجه سؤالاً مصيرياً هو، ماذا قدمت للناس الذين يفترض أنها تدافع عنهم؟ إن الشعوب لا تعيش في كتب التاريخ، بل في حاضرها. ولا يمكن بناء المستقبل بعقلية الثأر من الماضي. فالتاريخ يجب أن يكون درساً لا سجناً، وذاكرة لا سلسلة تُقيّد الأجيال القادمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر قسوة أمام هذه القيادات هو، هل تريد فعلاً تحرير شعوبها من آثار الماضي، أم أنها أصبحت بحاجة إلى بقاء جرح المظلومية مفتوحاً كي تستمر في الحكم؟
فحين تصبح المظلومية تاجاً للسلطة، يتحول الضحية إلى أسير، ويتحول التاريخ من درس نتعلم منه إلى قيد نحمله معنا نحو الهاوية.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟
- هل سمعت بالجزار فوداي سانكو؟
- اليوم الثالث عشر من حكم الرئيس ترومان: القرار الذي غيّر وجه ...
- لماذا مبنى القشلة؟
- كلمات موسوليني الأخيرة: -دعوني أنقذ حياتي وسأمنحكم إمبراطوري ...
- قصة أبن الدكتاتور..
- الوطنية العمياء… حين تخون الشعوب أوطانها..
- أغرب مصادفة في التاريخ!
- أجبروهم على الرحيل... ثم بنوا بحيرة فوق ممتلكاتهم..
- جورج واشنطن .. رئيس وليس مجرد رمز..
- خمس حقائق تحميك عند الكبر..
- ثورة الماجي ماجي.. الأمل في زجاجة ماء..


المزيد.....




- ترامب يستبعد إيران ويتهم حاكم مينيسوتا بشأن هجوم إلكتروني عل ...
- -معطوبة وبلا محركات-.. الدبابات في سلاح المدرعات الإسرائيلي ...
- 14 قتيلا و26 جريحا بتفجير انتحاري أمام مركز شرطة بشمال غربي ...
- الزمالك يحسم مستقبل سيف الجزيري بشكل نهائي
- الودية الثالثة.. الأهلي يواجه دلفي استعداداً للموسم الجديد
- أندية أوروبية تدرس التحرك لضم بنتايك من الزمالك
- توروب: تجربتي مع الأهلي كانت استثنائية لهذا السبب. ولم أتردد ...
- تفاصيل عروض سلتيك لضم هيثم حسن وموقف ريال أوفييدو
- مشروع يمتد لسنوات... آندي بورنم يدعو إلى وضع دستور مكتوب للم ...
- عاجل | الخارجية الإيرانية: نبحث حاليا مع عمان مسارا للعبور ف ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - من ضحية التاريخ إلى أسير له..