أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - تشرين: بين ألم الواقع وصحوة التغيير..














المزيد.....

تشرين: بين ألم الواقع وصحوة التغيير..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 17:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في بلادي، ثمّة مأساة تتجاوز حدود الفقر، وأشدّ فتكاً من الجوع، وأعمق من الخراب الذي خلّفته الحروب، إنّها مأساة الإنسان الذي يقف على أنقاض حياته، ثم يرفع صوته هاتِفاً بفرح لمن هدمها، ومداِفعاً بشراسة عمّن سرق خبزه، وأطفأ ضوء بيته، وترك أطفاله يتعلّمون في مدارس خربة آيلة للسقوط. كيف يمكن لإنسان أن يعيش في عشوائيات تفتقر إلى الماء والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات الصالحة للبشر ويبحث عن بقايا طعامه بين أكوام المزابل ويأوي إلى صفيحٍ متهالكٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة؛ فلا ماء يروي عطشه، ولا كهرباء تُبدد ظلمته. أطفاله يتكدسون في جحورٍ طينية تُسمى زورًا بـ "المدارس"، وشوارعه غارقة في الوحل والغبار، ثم يرى في المسؤول الذي حرمه من أبسط حقوقه زعيماً ومخلّصاً؟ كيف يقف حارساً على أبواب الذين يسكنون القصور، بينما يسكن أطفاله بيوتاً لا تقيهم حرّ الصيف ولا برد الشتاء؟ وكيف يتحوّل المظلوم إلى سيفٍ في يد ظالمه، ويستعدّ لسفك دماء الذين خرجوا مطالبين بحياة تليق به وبعائلته؟
هنا، لا يعود الفقر مجرّد حاجة، بل يتحوّل إلى نظام متكامل لإخضاع الإنسان؛ فحين يُحرم المرء من التعليم الجيد ويُترك فريسة للخرافة والتضليل وتُختطف احلامه بشعارات الطائفة والمقدّس، يصبح مدافعاً عن سجّانه، متوهماً أنّ السلسلة التي تطوّق عنقه ليست سوى وسام شرف. الصدمة الحقيقية لا تكمن في قسوة الفقر، بل في العبودية الطوعية التي استوطنت عقله. هذا الكائن المتروك على هامش الحياة، والمغسول بالجهل والخرافة، يقف بكل شراسة مدافعًا عن جلاّديه! يهتف بحرارة لحكّامٍ فاسدين شبعوا حتى التخمة على حساب جوعه، ويبيع مستقبل أطفاله لقاء أوهامٍ أعمى بصيرته بها.
وحينما انطلقت "انتفاضة تشرين"، وخرج الأحرار بصدورهم العارية يطالبون بالكرامة وبوطنٍ يتسع للجميع، لم يكتفِ هذا المخلوق بالفرجة، بل جرد مخالبه ورفع سلاحه ليقتل من خرجوا للتضحية بدمائهم من أجل كرامته وكرامة عائلته! فأي كائنٍ سوداويٍّ هذا؟ يرقص على جراح أبنائه، ويغتال من يحاول إنقاذه، فقط ليظل مسجونًا في قفص سادته.
إنها ليست مجرد تراجيديا سياسية، بل مأساة وجودية أن تشاهد الضحية تجلد نفسها، وتغتال أمَلها، وتستمتع بالعيش تحت احذية المستبد.
كانت انتفاضة تشرين مرآةً مرعبة لهذا الخراب، فقد خرج شباب يطالبون بوطن، وبكرامة، وبفرصة للحياة، فواجهتهم آلة العنف بالرصاص والدم. لم يطلبوا الكثير، بل طالبوا بدولة لا تسرق مستقبلهم؛ لم يطلبوا امتيازات، بل وطناً لا يضطرّون فيه إلى التسوّل على أبواب الأحزاب.

جاءت تشرين لتكسر جدار الصمت، فلم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل صحوة فكرية ومجتمعية تؤسس لمستقبل يرفض العبودية ويرسخ مفهوم الوطن المستقل والمزدهر لكل أبنائه.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواندا.. ومحنة بلاد الرافدين..
- الحط من قيمة الانسان العراقي..
- بابل... حين تُختصر الحضارة بمؤخرة سائحة..
- حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..
- الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..
- أسماء مختلفة لشيء واحد..
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة


المزيد.....




- دوقة ساسكس تشعر بـ-انزعاج شديد- بعد مزاعم ضد والدها تتعلق بـ ...
- الأردن.. ارتفاع حصيلة قتلى الهجوم على كنيسة الكرك إلى 9
- الدفاع الروسية: استمرار تقدم قواتنا وضرب البنى التحتية في أو ...
- روسيا ترسل 330 طبيبا متطوعا إلى إفريقيا
- موسكو: قرار مولدوفا طرد موظف في السفارة الروسية لن يمر دون ر ...
- الإمارات.. رأس الخيمة ثالث إمارة تغلق شواطئها بعد تسرب نفطي ...
- الجالية الأردنية والعربية في روسيا تستنكر الاعتداء الإرهابي ...
- الحكومة المصرية تحسم الجدل: لا تخفيف لأحمال الكهرباء ولا زيا ...
- العاهل الأردني يوجه بالرد بحزم على -الخوارج- ومن يبرر الإرها ...
- روسيا..ابتكار جيل جديد من المسكنات النباتية


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - تشرين: بين ألم الواقع وصحوة التغيير..