أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..














المزيد.....

حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 00:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جرت صياغة قانون العقوبات العراقي سنة 1969، كان حينها العراقيون يعرفون الفرق بين جيب الشخص العادي وخزينة الدولة، وبين السارق الذي يمد يده إلى جيب رجل، والموظف الذي يمد يده إلى المال العام. كان الزمن مختلفاً، وكانت الجريمة أيضاً أكثر تواضعاً. السارق قد يسرق حفنة دنانير، والمرتشي يأخذ مبلغاً يخفيه في جيبه وهو ينظر خائفاً من عيون الناس قبل عيون الشرطة. كان المجتمع يملك محكمة إضافية لا تحتاج إلى قاضٍ، يكفي أن يُقال عن رجل انه سارق، حتى يصبح اسمه واسم عائلته أثقل من زنزانة سجنه. فقد كان العار يومها شريكاً للقانون.
أما اليوم، فقد تطورت الجريمة، وتقاعد العار. لم تعد الرشوة ورقة نقدية تنزلق خفية تحت الطاولة، بل منظومة تعرف طريقها إلى المكاتب والصفقات والعقود. ولم تعد السرقة مسدساً يشهر في وجه موظف أو يداً تمتد إلى جيب مواطن، بل باتت ترتدي بدلة رسمية، وعمامة، وربطة عنق، وتحمل منصباً، ومكانة رفيعة، وتدخل من الباب الرئيسي، وتجلس في مكتب مؤثث ومكيف، تخدمها سكرتيرة جميلة، وتحيط بها حاشية ومهاويل ومطبلين، ثم تخرج ومعها أرقام فلكية من الأموال المنهوبة، الى درجة ان السارق لا يعرف اين يودعها، فيدفنها تحت تربة مزرعته او بين جدران منزله، أو يشترى بها ملابس داخلية من الذهب المطعم بالألماس، أو يوزعها على محظياته...
المشكلة ليست أن الجريمة كبرت، وانما أن قدرتنا على الدهشة صغرت. فقد كان الناس في الماضي يسمعون عن سرقة بضعة دنانير فيقولون يا للعار الذي الحقه هذا السارق بعائلته وشرفه. واليوم يسمعون عن مليارات اختفت، يلوذون بالصمت المطبق، والابشع ان البعض يحاول التقرب من هذا اللص والتودد له وتلميع صورته.
هنا لا يعود السؤال عن القانون وحده، بل عن المجتمع الذي تغيرت لديه وحدة القياس الأخلاقية. أصبحنا نقيس الفضيحة بحجمها، لا بجوهرها؛ والقانون اصبح ينشغل بالبحث عن اسم الفاسد، ومنصبه، وحزبه، وطائفته، ثم يخترع نصا قانونيا لهذا الفاسد وهو انه "كبير في السن" أو "لمكانته" وما الى ذلك. والاغرب ان القضاء يطلب الرأفة بهذا الفاسد بحجج واهية، لا تنطبق سوى على المبشرين بنعيم نهب العراق، ومن هذه الحجج "المكانة الاجتماعية"؟! ياسادة، المكانة ليست بطاقة إعفاء أخلاقية تمنحها المحكمة، بل هي في العادة سبباً للسؤال لا للرأفة. فالشيخ أو صاحب المكانة الذي قضى عقوداً في الحياة يفترض انه يعرف معنى الأمانة أكثر من الشاب، ويعرف أن المال العام ليس غنيمة، وأن توقيعاً واحداً منه قد يسرق مدرسة من طفل، أو مستشفى من مريض، أو فرصة حياة من عائلة.
ولا أفهم كذلك كيف يصبح المنصب سبباً لتخفيف العقوبة أو الغاءها، مع أن المنصب، أصلاً، هو الذي جعل حجم الضرر كبيراً. والأشد من العقوبة المخففة والرأفة هو الرسالة التي ستصل إلى المجتمع من خلالهما. فالناس لا يقرأون أحكام القضاء بالنصوص وحدها؛ بل يقرأونها كرسائل ارشادية.
يا سادة، القانون لم يتغير؛ نحن الذين تغيرنا. والمشكلة ليست في الفاسد، بل في مجتمعنا الذي تعلم كيف يتعايش مع الفساد دون أن يشعر بالخجل.
ولعل أقسى ما يختزل المأساة العراقية هو ما قاله رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي: "إذا جرت محاسبة جميع الفاسدين فستنهار العملية السياسية برمتها". يا لها من جملة بليغة تصلح أن تُعلّق في مكاتب جميع الفاسدين!
في البلدان المحترمة، يخشى الفاسدون من سقوطهم السياسي والاجتماعي، أما في العراق، فقد وصلنا إلى مرحلة يخشى فيها النظام السياسي من سقوطه إذا سقط الفاسدون!؟



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..
- أسماء مختلفة لشيء واحد..
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟


المزيد.....




- بعد تراجع مكانتها.. ماكدونالدز تراهن بـ 8.5 مليار دولار لاست ...
- العليمي يعلن التعبئة العامة ويفتح -باب العفو- أمام المقاتلين ...
- مستشار خامنئي يوجه رسالة إلى رئيس وزراء العراق إثر إغلاق مطا ...
- ألمانيا - إعانات الأطفال ستصبح تلقائية دون الحاجة لتقديم طلب ...
- بوتين: أنوي المشاركة في قمة أبيك.. والقرار النهائي مرهون بال ...
- ترامب دعا زيلينسكي إلى زيارة موسكو للقاء بوتين
- وكالة -فارس-: المزاعم بشأن محادثات إيرانية-أمريكية عارية عن ...
- شهباز شريف: جمعنا واشنطن وطهران تحت سقف واحد.. ندعم السعودية ...
- مقتل شخصين وإصابة 10 آخرين في هجمات أوكرانية على غورلوفكا
- زاخاروفا: سيكورسكي -داس على الدبلوماسية وحطمها كمهنة-


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..