أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - أسماء مختلفة لشيء واحد..














المزيد.....

أسماء مختلفة لشيء واحد..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 21:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ذات الليلة التي مات فيها ابنه قبل ثلاث سنوات، استيقظ الرجل قبل أن يرن الهاتف بدقيقة واحدة. رأى ابنه جالسًا عند طرف السرير بثيابه التي خرج بها إلى تظاهرات تشرين. وجهه هادئًا على نحو لم يكن يليق بشاب في السابعة عشر. غير ان الاب لم يفزع. ففي بلادي، اعتاد الناس أن يروا موتاهم يعودون إلى البيوت بعد أن يسمعوا انباء عن مقتلهم، لذا، لم يكن في الأمر ما يدعو إلى الغرابة او الخوف.
قال له الابن، وهو يبتسم: " تأخرتَ كثيرًا يا أبي".
وعندما مدّ الرجل يده إليه، اختفى الابن.
حينها فقط رن الهاتف. ومنذ تلك الليلة، لم يعد الرجل ينام، بل كان ينتظر قدوم ابنه الراحل ليتحدث معه.
كان الاب قد عاش عمره كله مؤمنًا بأن الإنسان يستطيع أن ينجو إذا عرف متى يصمت، ومتى يصفق، ومتى يغيّر موقفه، ومتى ينحني للعاصفة حتى تمر. وبهذه الحيل، استطاع ان ينقذ نفسه، فقد مرّت عليه أنظمة وحروب وحصارات ومليشيات وكأنها مواسم عجاف طويلة، وكان في كل مرة يجد لنفسه سببًا لتفادي الهلاك.
وحين مات ابنه، اكتشف أن كل تلك الأسباب كانت أسماء مختلفة لشيء واحد، هو الجبن والسكوت.
كان قد تفتّح وعيه في زمن الانقلابات العسكرتارية والقومجية. وآمن، ودافع، وفرح بانتصارات لم تكن له، وبكى على هزائم لم يكن طرفًا فيها. ثم جاءت فترة التسعينيات، فعرف أن الجوع يمكن أن يكون معلّمًا بارعًا، وأن الحصار يستطيع أن يجعل الرجل يبيع ضميره بالتقسيط. فتعلّم فن التكيف مع المراحل. وتاجر بكل شيء، بالقانون، والأخلاق، والشرف، وبالحقيقة ذاتها.
ثم جاء زمن جديد، فغيّر جلده كما تفعل الأفاعي في مواسمها، وانضم الى الأحزاب الفاسدة طمعًا في المال والجاه. وكان يقنع نفسه بإنه يفعل ذلك من اجل عائلته، حتى اكتشف أخيرًا أنه كان يورث عائلته جينات الجبن والعبودية.
ثم جاءت انتفاضة تشرين. كان ابنه هناك. ولأول مرة في حياته رأى المستقبل يمشي في شوارع العاصمة على قدمين حافيتين. كان ابنه يهتف للوطن، وهو يخاف عليه من الوطن. لكن سرعان ما اختفى الابن.
بحث عنه ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع، وجده. لم يكن جسده كاملًا، لكنه، لسبب لا يفهمه حتى الآن، تعرف إليه من يده. تلك اليد التي رفعها يومًا في وجه ابيه قائلا: "لا تبتأس يا أبي، ولا تخف فالفرج قريب".
عندها فهم الرجل أخيرًا أن ابنه لم يعد يطلب منه الشجاعة، كان يطلب منه ألّا يورّثه جبنه وطمعه.

في الصباح، وجدوا الاب ميتًا في سريره، ووجهه مبتسم. قال الطبيب إن قلبه توقف، لكن أهل الحي أقسموا أن الرجل مات قبل ذلك بسنوات، في اليوم الذي رأى فيه أول جريمة، وسكت، وفي اليوم الذي رأى فيه ثاني جريمة، وصفق.
لذا كتبوا على قبره: "هنا يرقد رجل لم يشعر أحد بموته حين مات، لأنه كان قد مات قبلهم جميعًا".

بغداد - تشرين ثاني 2022



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟
- هل سمعت بالجزار فوداي سانكو؟
- اليوم الثالث عشر من حكم الرئيس ترومان: القرار الذي غيّر وجه ...


المزيد.....




- مسؤول إيراني: اجتماع عُمان تأجل بعد طلب من بعض دول المنطقة
- عبد الحميد سلات: أسعار المحروقات في سوريا تخضع للمراجعة تبعا ...
- ترامب يكشف هوية المتحدث المؤقت باسم البيت الأبيض
- ترامب لزيلينسكي: أوقف استهداف وقود روسيا
- الخارجية الروسية تفضح هدف بروكسل من السعي للظفر بمقعد على طا ...
- قشم وهرمز.. دلالات الاستهداف الأمريكي للسفن والموانئ الإيران ...
- الذكاء الاصطناعي.. سباق عالمي يتسارع وسط مخاوف من مخاطره الم ...
- ماذا تريد إيران من بريكس في ظل العقوبات؟
- اتصالات قطرية لبحث سبل خفض التصعيد وتعزيز الأمن الإقليمي
- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - أسماء مختلفة لشيء واحد..