أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - تشرين يقظة وليست فتنة..














المزيد.....

تشرين يقظة وليست فتنة..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 20:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1921. لم تكن يومها دولة بالمعنى الحقيقي، بل بقايا ولايات عثمانية، أقرب إلى زريبة مهملة منها إلى دولة. حاول الملك فيصل الأول أن يحوّل هذه الجغرافيا المتناثرة إلى وطن، والقوميات والقبائل والمذاهب المتصارعة إلى شعب، والفوضى إلى دولة، وأن يبني مؤسساتها على الطراز الحديث للدول. لكن للتأريخ انياب حادة ومعاول تهديم قوية. ويبدو ان العراق كتب له ان يمشي في نفق لا نهاية له، وكلما حاول أن يخرج منه، ظهر من يعيده إلى الظلام الحالك.
توالت السنين، ورحل الملك الأول والملك الثاني. وفي أيام الملك الثالث، أي بعد مرور ثلاث عقود، وتحديدا في خمسينيات القرن الماضي، ظهر مجلس الإعمار ليضع اللبنات الأولى لدولة كان يمكن أن تكون شيئًا آخر.
ثم بدأ عصر الانقلابات والشعارات الفارغة. ومنذ ذلك اليوم، تعلم العراقيون أبشع درس سياسي وهو أن السلطة لا تحتاج إلى إقناعك بشرعيتها، يكفي أنها تمتلك السلاح.
وبحجة حماية الثورة أو الرديف للجيش العراقي أو النظام السياسي، ظهرت ميليشيا المقاومة الشعبية، ثم ميليشيا الحرس القومي، ثم ميليشيا الجيش الشعبي، ثم ميليشيا فدائيو صدام، وحاليا ميليشيات الفصائل. وتبدلت الأسماء، وبقيت الوظيفة واحدة هي مطاردة وقتل المختلف، وتخويف العراقي الصامت، وملاحقة المحتجين، وتحويل الدولة برمتها إلى مسالخ يومية. فتعلم المواطن العراقي منذ طفولته أن صمته ليس فضيلة، بل وسيلة للبقاء.
في عام 1991، حدث ما كان يمكن أن يكون الخلاص. فبعد غزو الكويت وما جرّه على العراق من كارثة وحصار ودمار، انتفضت مدن الجنوب والوسط، وامتدت الانتفاضة إلى الشمال. ولأول مرة بدا نظام البعث كأنه على وشك السقوط.. نجا النظام، غير ان العراقيين لم ينجوا. واستعاد النظام أنفاسه بمساعدة خارجية، فأطلق قواته على المنتفضين، وسقط آلاف العراقيين، وارتُكبت عمليات قتل واسعة، ودُفن الضحايا في مقابر جماعية بقيت شاهدًا على واحدة من أبشع صفحات تاريخ العراق الحديث. كان البلد قريبًا من الحرية، لكن الحرية دُفنَت معه.
ثم سقطت منظومة البعث عام 2003. وظن العراقيون أن زمن الخوف انتهى، وسرعان ما ادرك المواطن ان الدكتاتورية سقطت، لكن لم تسقط ثقافة الاستبداد، فقد اثبتت الأيام انه في رأس كل معارض عراقي "صدام صغير " مستبد.
استولت على السلطة أحزاب رفعت رايات التقوى والعدل الآلهي، فإذا بالفساد يصبح نظامًا، والمحاصصة دستورًا عرفيا، والمال العام غنيمة مباحة، والسلطة ملكية خاصة، والأحزاب وميليشياتها فوق الدولة.
ثم جاء داعش عام 2014، فتشكلت فصائل مسلحة جديدة. كان السلاح ضرورة في مواجهة الإرهاب، لكن المأساة أن بعض السلاح الذي حمل شعار حماية العراق سرعان ما صار يُستخدم لحماية النظام السياسي من العراقيين أنفسهم.
ثم جاءت ثورة تشرين 2019. وهنا قال العراقيون كلمتهم بلا وسيط. فلم يخرج الشباب طلبًا لسلطة أو زعامة، ولم يرفعوا مشروعًا طائفيًا، خرجوا يريدون ماءً وكهرباءً ومستشفى ومدرسة وجامعة وعملًا وشارعًا صالحًا. خرجوا ليقولوا كلمة تبدو بسيطة، لكنها كانت الأكثر رعبًا للسلطة: نريد وطن، نريد أن نعيش بكرامة. فكان الجواب جاهزا .. وابل من الرصاص الحي والقنابل الدخانية. تم قتل شباب بعمر الورد، وخطف وأصابة آخرين. وحاولت السلطة أن تغسل عارها من اعراس الدم المسفوك فاخترعت عبارة "الطرف الثالث"، لكن الضحية تعرف هوية قاتلها.
للاسف، ظل العالم حينها صامتًا، وظلت القوى الدولية تراقب المذبحة من بعيد دون ان تتدخل لحماية دماء الابرياء، فيما كانت صور المسؤولين وقادة الميليشيات تُلتقط مع الممثلة الاممية في الغرف المغلقة وكأن شيئًا لم يحدث.
واليوم، بعد مرور سبع سنوات، تأتي المفارقة الأكثر قسوة، اعتراف زعيمهم الأكبر بأن الفصائل التي وصفها بالمقاومة قد تصدت لشباب تشرين، وأنها حمت النظام السياسي مما سماه "فتنة تشرين". وهنا تبلغ المأساة ذروتها، حيث لم يعد السؤال من قتل شباب تشرين؟ وانما من سيحاكم من قتلهم، إذا كان القاتل هو الذي يحمي النظام، والنظام هو الذي يحمي القاتل؟
هذه ليست مأساة حكومات، انها مأساة العراق الحقيقية. والمصيبة ليست بالرحم العراقي الذي أنجب دكتاتوريين، أو انقلابيين، أو قتلة أو فاسدين؛ المصيبة أن كل جيل كان يسلّم الجيل الذي يليه شعبا أكثر خوفًا وأقل وطنية. فهل نستحق هذا المصير؟
وهنا برزت ثورة تشرين، ليس بوصفها احتجاج فحسب، وانما كانت استفتاءً شعبيًا دائمًا على شرعية السلطة. استفتاءً بلا صناديق اقتراع يمكن تزويرها، ولا مفوضية يمكن تدجينها، ولا ضمائر بشرية يمكن شرائها. وكما قال المفكر الفرنسي رينان، "الأمة ليست مجرد مصلحة مشتركة أو ماضٍ مشترك، انها إرادة مشتركة في أن نعيش معًا بسلام وكرامة".
وهذا بالضبط ما فعلته تشرين، فكانت يقظة وليست فتنة..



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟
- هل سمعت بالجزار فوداي سانكو؟
- اليوم الثالث عشر من حكم الرئيس ترومان: القرار الذي غيّر وجه ...
- لماذا مبنى القشلة؟
- كلمات موسوليني الأخيرة: -دعوني أنقذ حياتي وسأمنحكم إمبراطوري ...
- قصة أبن الدكتاتور..


المزيد.....




- شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
- مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض- ...
- شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة ...
- هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
- ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
- إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
- ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة ...
- التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
- ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا ...
- اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس موسى الكعبي - تشرين يقظة وليست فتنة..