أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - من تنيناي إلى طهران..















المزيد.....

من تنيناي إلى طهران..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


لم تكن قرية "تنيناي" تشبه باقي القرى التي عرفتها في كتب الرحالة ولا حكايات ألف ليلة وليلة. كانت مجهولة حتى بالنسبة لأغلب الليبيين. تقع على مسافة نحو ستين كيلومتراً إلى الغرب من مدينة بني وليد، جنوب العاصمة الليبية طرابلس، حيث تبدأ الصحراء الكبرى في ابتلاع الأشياء والألوان والوجوه، والهواء نفسه يبدو كأنه خارج لتوّه من فرن عتيق. كان العجاج الأحمر يهبط على القرية بلا موعد، فيغطي النوافذ والطرقات واسطح البيوت والمساجد. والغبار ليس شيئاً عابرا، بل شيئاً يعشعش داخل رؤوس ساكنيها. اما سوق القرية، فهو أشبه بمتحف مفتوح يعود الى العصر الجاهلي، حتى ليخيل للغريب أن الزمن مرّ من هذا المكان مسرعاً، ثم نسي أن يعود اليه.
كنت أعمل مدرساً في ثانوية القرية الوحيدة، مع عدد من المدرسين العراقيين والعرب. ولم نكن نعرف أننا، في تلك القرية المنسية، سنكتشف أن الدكتاتور يمكن أن يكون محبوباً في بلد لم يحكمه، وأن ضحيته يمكن أن تصبح متهماً لمجرد أنها فرحت بسقوطه. ولم أكن أعلم يومها أنني سأغادر القرية محمّلاً بدرس لن تنجح كل كتب علم النفس وعلم الاجتماع التي قرأتها في تفسيره.
بدأت الحكابة حينما استعرت الحرب على العراق عام 2003 واقتربت الساعة، فتطوع نحو ستين رجلاً من أبناء هذه القرية الصغيرة للذهاب إلى العراق ومقاتلة الأميركيين وقوات التحالف دفاعاً عن نظام صدام حسين وصون العقيدة. كانوا يرون في الرجل الذي حكم العراق بالحديد والنار بطلاً عربياً وإسلامياً سنيا، بينما كنا نحن العراقيين نرى البلد سجناً كبيراً له أبواب كثيرة، وكل باب يقود إلى مقبرة.
حين سقط النظام في التاسع من نيسان عام 2003، كنت في القرية اشاهد مباشرة، من على شاشة قناة أبو ظبي الفضائية وقناة الكويت الفضائية، تمثاله يهوي في ساحة الفردوس. كان العراقيون يضربونه باحذيتهم القديمة البالية، وكأنهم يريدون أن يستعيدوا بأحذيتهم كرامة سرقها منهم حاكم ارعن سفاح، حتى كأنهم لم يكونوا يضربون تمثالاً من معدن، بل يضربون أربعين عاماً من الخوف والاستبداد.
احتفلنا تلك الليلة في بيتي المتواضع. حضر زملائي العراقيين ومنهم إبراهيم الراضي، وحسين النيلي، ورضا الفراتي، وعدد آخر من أصدقائنا المدرسين. ضحكنا ورقصنا وأكلنا وشربنا الشاي والعصائر، واحتفلنا بزوال الخوف والاستبداد. ولاول مرة، رأيتُ إبراهيم يبكي من شدة الفرح.
كنا نحتفل بسقوط النظام الذي قتل وسجن وعذّب وأفقر العراقيين، والذي جعل من الخوف والرعب لغة رسمية للدولة. فالفرح بسقوط الدكتاتور، في البلدان التي اعتادت الخوف والصمت، قد يكون جريمة يعاقب عليها قانون القبائل الغابرة.
لكن يبدو أن للحرية أعداءها حتى في مناسباتها البسيطة. فقبل أن تنتهي ليلتنا، كان أهالي القرية قد تجمعوا أمام المنزل. طرقوا الباب بعنف، وحين خرجتُ، كان بعضهم يحمل الهراوات والسكاكين. وتقدم رجل اعرفه جيدا، وهو أحد المدرسين في ثانويتنا، يدعى حنيش، كان عضو في اللجنة الشعبية، ورجل أمن معروف، وسألنا بغضب: كيف تفرحون بسقوط بلدكم؟ أنتم عملاء وخونة وجبناء، وأعداء الإسلام والمسلمين!
حاولنا أن نشرح لهم أن صدام لم يكن عدواً لهم، بل كان عدونا نحن، وأن العراقيين هم الذين دفعوا ثمن سلطته، وأن الرجل الذي يدافعون عنه قتل المسلمين قبل غيرهم، ودخل في حرب عبثية طويلة مع إيران، واحتل الكويت، وسحق معارضيه، وترك العراق تحت رحمة الحصار وما جلبه من أمراض وبطون خاوية. بيد ان غضبهم كان أعلى من صوتنا وحججنا.
وعلى حين غرة، اندفع الجمع الغاضب بقوة نحو الباب ليحطموه. دخلنا بسرعة واقفلناه خلفنا.
في تلك الليلة اضطررنا للدفاع عن أنفسنا بما توفر لنا من أدوات بسيطة، سكاكين مطبخ وبعض الملاعق والقدور والصحون التي جعلناها دروعا لتلقي الضربات. لم نكن نعرف أننا، نحن العراقيون، الذين جئنا إلى ليبيا كمدرسين لتعليم شعبها الغارق في الجهل والخرافة، سنجد أنفسنا ذات ليلة نحتمي بأواني الطبخ من أجل أن نبقى نحن وعائلاتنا على قيد الحياة.
وبعد فترة من المقاومة الغريزية، تدخل أمين التعليم، الشيخ "الغناي"، وأنقذنا من مذبحة مؤكدة. وبعدها توصلنا معهم إلى اتفاق بأن تفسخ عقود عملنا بعد انتهاء السنة الدراسية، مقابل أن يتركونا نغادر بسلام.
ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة أخرى من الإذلال. قاطعونا في المدرسة، ونظروا إلينا كأننا ارتكبنا خيانة عظمى لأننا لم نحزن على سقوط الطاغية، حتى الطبيب العراقي في القرية، الذي كان معروفاً بتأييده لصدام، جرى تحريضه ضدنا، فلم يعد يستقبلنا ولم يستقبل عائلاتنا المرضى.
لم يعيدوا لنا جوازات سفرنا التي أخذوها بحجة تسوية وضعنا القانوني. وأخّروا مستحقاتنا. كانت بعض الأوراق التي نقدمها لهم تضيع أو بالأحرى يتعمدون اضاعتها، وأحياناً جوازات بعض زملائنا تتمزق أو تختفي بين الملفات. وحين نسأل، كانت الإجابة تأتي ببرود مميت: "الله غالب".
فالله، في تلك القرية، يبدو مسؤولاً عن كل شيء، باستثناء الظلم وسرقة الحقوق.
كنا نلتقي نحن العراقيون ليلاً ونسأل السؤال نفسه: لماذا لا يصدقوننا؟ لماذا يدافعون عن طاغية لم يحكمهم يوماً، ويتركون عائلاتهم ويقطعون الآف الكيلومترات للموت في سبيله؟ لماذا يطلبون منا أن نحزن على سقوط جلادنا؟ لماذا يصبح الشخص، حين يكره جلاده، عميلاً للأجنبي؟
كان إبراهيم وحسين ورضا أكثرنا إصراراً على شرح مأساة العراق لأهالي القرية. كانوا يقولون إن الشعب العراقي وحده يملك الحق في اختيار حكامه، وإن صدام ليس قدراً أبدياً، لكن بعض الأهالي كانوا يردون بالشتائم والسباب والضرب.
حصلنا أخيراً على جوازاتنا، كنا على أهبة الاستعداد للرحيل وترك هذه القرية. أوصلنا بعض أهالي القرية إلى مطار طرابلس، لا حباً بنا، بل كي يتأكدوا أننا سنغادر فعلاً. حملنا أمتعتنا وذكرياتنا المؤلمة وسافرنا نحو الأردن، ثم إلى العراق.
عندما وطئت أقدامنا أرض العراق، شعرنا أن الوطن عاد إلينا. نظرتُ إلى حسين وإبراهيم وابتسمنا، وتحدثنا عن جهل أولئك الذين اتهمونا بالخيانة. كنا سعداء. وكنا، كما اكتشفتُ بعد سنوات، ساذجين وسطحيين للغاية. كان علينا يومها أن ندرك أن الإنسان يمكن أن يخطئ في الحكم على الآخرين، بيد اننا لم نكن ندرك بعد أن الإنسان يمكن أن يخطئ في الحكم على نفسه أيضاً.
مرت سنوات على وجودنا في العراق. كنا نلتقي تقريباً كل أسبوع في أحد مقاهي بغداد، وأحيانا في شارع المتنبي، نجلس بين الكتب، ونتذكر قرية تنيناي، والغبار الأحمر، والهراوات، والسكاكين، وجوازات السفر الضائعة، والليلة التي كادت تتحول فيها حفلة السقوط إلى اعراس للدم. كنا نستعيد الحكايات ونضحك على رجال القرية الذين كانوا صداميين أكثر من صدام نفسه.
واستمرينا على هذه اللقاءات والمكالمات شبه اليومية فترة طويلة.
لكن، دون سابق انذار، اختفى إبراهيم. واختفى حسين. ومن ثم اختفى رضا. كنت اتصل بهم مراراً، لكن لم يرد أحد.
وفي أحد أيام شهر نيسان من عام 2026، وانا في شارع المتنبي، شاهدت صديق مشترك بيني وبينهم، وسألته بفضول عنهم، فقال جملة جعلتني أشعر أنني عدت فجأة إلى كابوس القرية.
أجاب: ذهبوا إلى إيران للدفاع عن النظام!
بقيتُ صامتاً، عاجزا عن الكلام. لم أفكر في تنيناي وحدها، ولا في إيران. فكرتُ في الطريق الطويل بين المكانين. فكرت في الرجال الستين الذين خرجوا من قرية صحراوية منسية ليذهبوا الى العراق للقتال دفاعاً عن طاغية متخلف وعن "العقيدة" كما يزعمون، ثم فكرتُ في أهالي القرية الذين طردونا لأننا فرحنا بسقوط جلادنا، ثم فكرتُ في أصدقائي ضحايا القرية وهم يعبرون الحدود العراقية كي يقاتلوا دفاعا عن العقيدة في بلد آخر.
ضحكتُ. لا أدري لماذا ضحكت. ربما لأن الحياة قررت أخيراً أن تكمل المزحة التي بدأت في تلك القرية المهجورة. وتذكرتُ رجال القرية وهم يهتفون بوجهنا: عملاء، خونة! وتذكرتُ أصدقائي وهم يدافعون عن حق العراقيين في الحرية والتخلص من الاستبداد. ثم تخيلتهم هناك، في الجهة الأخرى من التاريخ، يحملون السلاح ضد شعب يطالب بحريته.
في تلك اللحظة فقط أدركت أن العجاج الأحمر الذي كان يملأ سماء قرية تنيناي لم يتبدد، وانما سافر معنا. وأن المسافة الطويلة بين تنيناي وطهران ليست بالكيلومترات، بل بالمسافة التي قد يقطعها المرء من كونه ضحية إلى كونه جلاد آخر، ومن معارض للاستبداد إلى نصير له، ومن عاشق للحرية إلى مقاتل شرس ضدها، دون أن يشعر بأنه غادر انسانيته.
ربما لم تكن المشكلة في تلك القرية وحدها، بل لعل الغبار الذي رأيته فيها قد ظل عالقاً في عيوننا جميعاً، حتى بعد أن عدنا إلى بغداد، وحتى بعد أن جلسنا في شارع المتنبي بين الكتب التي تتحدث عن الحرية والعدالة والإنسانية. فالديكتاتور قد يسقط من فوق تمثاله، لكن فكرته ستبقى منتصبة في مكان آخر. والأكثر رعباً في الحكاية، أن الإنسان قد يهرب من الديكتاتور، لكنه لا يهرب بالضرورة من الديكتاتورية التي تسكن داخله.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟
- هل سمعت بالجزار فوداي سانكو؟
- اليوم الثالث عشر من حكم الرئيس ترومان: القرار الذي غيّر وجه ...
- لماذا مبنى القشلة؟
- كلمات موسوليني الأخيرة: -دعوني أنقذ حياتي وسأمنحكم إمبراطوري ...


المزيد.....




- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - من تنيناي إلى طهران..