أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..














المزيد.....

الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


أحياناً تشعر أن حياتك تشبه حياة غريغور سامسا في رواية المسخ لكافكا، مع فارق بسيط هو أنك لم تستيقظ ذات صباح لتجد نفسك حشرة ضخمة، بل احتجت الى سنوات طويلة لتكتشف أنك كنت حشرة في عيون الآخرين منذ البداية.
تذكرون غريغور سامسا، ذلك الرجل الذي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه حشرة (صرصور). كان موظفاً مرهقاً، يستيقظ قبل الجميع، يجري خلف القطارات، يتحمل اهانات مديره الثقيل، ويسير في طرقات لا تنتهي، ويرى ذات الوجوه الكئيبة، ويصبر على ضغوط العمل، وكل ذلك لأنه كان يعرف أن وراءه عائلة تنتظر راتبه.
كافكا لم يكن يريد أن يخبرنا عن رجل تحول إلى حشرة. كان يريد أن يخبرنا عن شيء أكثر رعباً، عن الإنسان الذي يقضي عمره كله في خدمة الآخرين، ثم يكتشف، في اللحظة التي يعجز فيها عن خدمتهم، أنه لم يكن محبوباً بقدر ما كان نافعاً لهم.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية. لم تكن حشرة غريغور هي الشيء المرعب في الرواية. المرعب الحقيقي فعلاً هو أن الذين أحبوه بدأوا يشعرون بالضيق من وجوده عندما أصبح عاجزاً. غرفته تحولت إلى سجن، وبابها لم يعد مجرد باب؛ صار الحد الفاصل بين الإنسان والناس الذين لم يعودوا يرون فيه إلا عبئاً يتوجب التخلص منه.
كل واحد منا لديه غرفة كهذه، قد لا تكون لها أربعة جدران، لكنها موجودة في مكان ما بيننا وبين الآخرين. ندخلها حين نتعب، حين نمرض، حين نتقاعد، حين تتوقف أيدينا عن العمل، حين لا تعود جيوبنا قادرة على الدفع، وحين يصبح الحديث معنا أطول من الوقت الذي يرغب الآخرون في منحه لنا.
في مثل تلك الأيام أدركت شعور غريغور. لم يكن أكثر ما يؤلمه أن يكون حشرة، بل ما يؤلمه أن يرى الذين عاش من أجلهم يكتشفون أن وجوده بينهم بات مزعجاً، بل ومخزياً.
ولا تحكم بسرعة عزيزي القارئ، فعند مرضك، وعجزك، ستفهم ذلك. فجأة يصبح الاتصال بك واجباً ثقيلاً، وزيارتك عبئاً، وسماع شكواك مضيعة للوقت. ويبدأ الأصدقاء بالاختفاء، والاهل والأقارب بالانشغال، وحتى الذين أقسموا يوماً أن وجودك يعني لهم الكثير، سيجدون ألف عذر لعدم الاتصال بك والاطمئنان عليك. وعليك ان تدرك ان اغلبهم اعتاد الجلوس ساعات لمشاهدة فيلم أو مباراة كرة قدم، غير انهم لا يملكون دقائق معدودة للاتصال بك، ناهيك عن الجلوس إلى جوارك.
انظر إلى الآباء. رجل قضى عمره يعمل، يحمل البيت على كتفيه، ويعود متعباً كي يأكل أطفاله. ثم يكبر، تتعب يداه، تنحني قامته، يتلاشى بصره، ويتوقف عن العمل. وشيئاً فشيئاً يصبح صوته غير مسموع، ورأيه غير مهم، ووجوده نفسه بينهم يصبح شاذا.
وانظر إلى الأمهات. امرأة قضت شبابها في خدمة الجميع؛ تطبخ، وتنظف، وتسهر، وتحمي اطفالها وتواجه العالم بجسدها النحيل. ثم حين يخذلها جسدها، وحين تحتاج هي إلى يد تمتد إليها، تجد نفسها في غرفة بعيدة، وربما في دار للعجزة، تنتظر زيارة لعلها لا تأتي إلا في المناسبات. لا أحد يقول لها اصبحت حشرة كبيرة. فهم ليسوا بحاجة إلى قولها، لكن تصرفاتهم تثبت ذلك.. يكفي أن يعاملوها كما لو أنها صارت شيئاً فائضاً عن الحاجة.
ربما لم يمت غريغور سامسا لأن جسده تحول إلى حشرة. مات لأن الحب من حوله كان مشروطاً بقدرته على أن يكون نافعاً. مات حين صار وجوده نقمة على افراد عائلته حتى اخته، القريبة منه، سأمت من الحنان الذي كانت تكنه له يوماً.
الحشرة لم تكن في جسده، وانما كانت في أعين الآخرين، ولعلها كانت في أعيننا نحن.
وهذا هو رعب كافكا الحقيقي. فكم غريغور سامسا يعيش بيننا اليوم؟ وكم إنساناً حولناه إلى غريغور من دون أن نشعر؟ وكم أباً، وأماً، وصديقاً، ومريضاً، جرى تحويله بصمت إلى حشرة منبوذة، لمجرد أنه توقف عن تقديم الخدمة أو المنفعة أو المتعة لنا؟
الناس لا تقتلك دائماً بالسلاح، أحياناً يقتلونك بالإهمال. هاتفك لا يرن، وباب بيتك لا يُطرق. يستغنون عن وجودك معهم في جلساتهم وسفراتهم وسهراتهم الخاصة، ثم يتفاجأ الجميع حين تختفي إلى الأبد.
كنت تنتظر أن يتذكرك أحدهم دون مناسبة، أن يسأل عنك لا لأنه سمع أنك مريض او اصابتك فجيعة، بل لأنه شعر أن غيابك ترك في حياته فراغاً.
ربما هذه هي القاعدة القاسية التي لا نريد الاعتراف بها. نحن نمنح الحب والاهتمام بسهولة لمن يمنحنا شيئاً، لكننا نكتشف معدن محبتنا الحقيقي عندما يصبح الآخر عاجزاً عن إعطائنا أي شيء.
غريغور لم يكن الحشرة الحقيقية في رواية كافكا. الحشرة الحقيقية كانت تلك التي تسكن فينا، وتظهر كلما نظرنا إلى إنسان مريض، عاجز، وحيد، محتاج، لم نعد نجد فيه منفعة لنا. وعندها فقط، نفهم لماذا كان كافكا مرعباً إلى هذا الحد، لأنه لم يخبرنا بما يمكن أن يحدث للإنسان، بل أخبرنا بما يمكن أن نصبحه نحن أنفسنا.

ولهذا، قبل أن نغلق أبواب غرفنا الليلة وننام، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً، لا عن كافكا ولا عن غريغور، بل عن حياتنا نحن: لو توقفت غداً عن إعطاء الآخرين مالك، وقتك، معرفتك، ضحكتك، خدمتك، وحضورك.. من منهم سيبقى إلى جانبك؟
لا تجب بسرعة. فقد تكون الإجابة هي الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسماء مختلفة لشيء واحد..
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..
- من هو صاحب الصورة على ورقة المئة دولار الأمريكية؟
- هل سمعت بالجزار فوداي سانكو؟


المزيد.....




- -الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي ...
- بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم ...
- كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
- خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا ...
- من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال ...
- الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
- أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...
- الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا ...
- سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس موسى الكعبي - الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..