أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عباس موسى الكعبي - بابل... حين تُختصر الحضارة بمؤخرة سائحة..














المزيد.....

بابل... حين تُختصر الحضارة بمؤخرة سائحة..


عباس موسى الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 20:12
المحور: كتابات ساخرة
    


ثمة مفارقة تكاد تكون أكثر سوداوية من أن تُروى. مدينةٌ كانت ذات يوم تكتب اسمها على ألواح من الطين، وتترك للزمن ملحمةً وقانوناً وأساطيرَ وآلهةً وشعراً، مدينةً تقول للعالم، من هنا كُتبت القوانين، ومن هنا حاول الإنسان القديم أن يمنح الفوضى اسماً، وأن يجعل من الطين ذاكرةً لا تموت. هذه المدينة تسعى اليوم أن تُقدم نفسها بوصفها مدينةً للثقافة والفن والشعر. وفي الجانب الآخر، هناك من يصرّ على أن يختصر شهرتها بمجرد اطلال عتيقة لا تصلح سوى للسفرات المدرسية البائسة والأكل وتفريغ المخلفات البشرية، واهانة رمزها الاسطوري اسد بابل..
الأشد إيلاماً أن بعض مراهقي مدارسنا، حين تطأ أقدامهم مدينة بابل الأثرية، لا تبدو عيونهم مشغولة ببوابة عشتار، ولا بأسوار المدينة، ولا بأسدها المخذول، ولا بعشتار التي كانت رمزاً للحب والحرب والخصب والقوة، إنما يطاردون تفاصيل جسد سائحة أجنبية، كأن آلاف السنين التي تفصلنا عن بابل لم تنتج في عقولهم وعقول معلميهم سوى هذا الفضول البدائي.
يا للمفارقة!
هنا كانت عشتار. المرأة التي لم تكن في أساطير البابليين جسداً يُشتهى، بل قوةً تُهاب؛ إلهةً للحب والحرب والخصب، امرأةً كانت السماء والأرض تتقاطعان في اسمها. وهنا، بعد آلاف السنين، يقف أبنائها أمام بوابتها، لا يرون عشتار. بل يرون مؤخرة سائحة. ولا يرون الحضارة التي تحت أقدامهم، بل يلاحقون بأعين المراهقين تفاصيل جسد امرأة عابرة، كأن آلاف السنين لم تستطع أن تصنع في داخلهم عيناً ترى أبعد من الجسد.
بابل، تلك المدينة المقدسة ببرجها الأسطوري، تتحول في الذاكرة المدرسية إلى بقعة صامتة، بينما مؤخرة سائحة عابرة تصبح خبراً مدوياً في عيون المراهقين.
المشكلة ليست في هؤلاء الصبية وحدهم. إنهم، في النهاية، أبناء ما علّمناهم وما لم نعلّمهم، فحين نعجز عن جعل التاريخ حياً في وجدان الطفل، سيبحث الطفل عن شيء آخر يثير فضوله. وحين نعامل الآثار كأحجار، لا ينبغي أن نتفاجأ حين لا يرى فيها أبناؤنا سوى خرائب مترامية.
والمأساة ليست في أن بعض المراهقين لا يعرفون تأريخ بابل. المأساة أن مدينةً كاملة لم تعد تعرف كيف تجعل أبناءها يرونها.
بابل لا تحتاج إلى سفرات مدرسية كي تخلدها الذاكرة. تحتاج إلى أن نعيد إليها روحها. أن نعلّم أبناءها أن عشتار ليست تمثالاً، وأن حمورابي ليس اسماً في كتاب مدرسي، وان الحضارات لا تموت حين تسقط أسوارها، بل تموت حين يتجرد المكان من المعنى. تموت حين تصبح مؤخرة سائحة أكثر عظمة وجاذبية من بابل ذاتها.
ربما تقف عشتار الآن خلف بوابتها، تنظر إلى هؤلاء القادمين من المستقبل الذي حلمت به، ثم تبكي بصمت وأسى، لأننا تعلّمنا، على ما يبدو، أن نحرس أطلال بابل، من دون أن نحرس بابل التي في عقولنا وضمائرنا.



#عباس_موسى_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينما يقف القانون عاجزا عن محاكمة كبار الفاسدين..
- الحشرة التي قضيت عمرك كله تهرب منها..
- أسماء مختلفة لشيء واحد..
- إلى أيامي المتبقية..
- من تنيناي إلى طهران..
- تشرين يقظة وليست فتنة..
- لا تعيدوا إشعال الجحيم..
- رحل دون ان يفتقده أحدٌ..
- العراق بعد مرور 105 أعوام على التأسيس.. دولة ما زالت تبحث عن ...
- حين تنتخب الضحية جلّادها..
- حين تبتلع العقيدة الوطن..
- من ضحية التاريخ إلى أسير له..
- خذلان..
- في ذكرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي..
- هل يوجد اقطاع في العراق؟..
- سيحكمون عليك مهما فعلت.
- قشلة» بغداد.. صرخة ذاكرة أمام أبواب موصدة
- زلزال الأيادي النظيفة في إيطاليا والفساد المستدام في العراق. ...
- من نور السنغال إلى ظلام العراق..
- كان معبود الشعب، لكن قطعوا رأسه..


المزيد.....




- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...
- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عباس موسى الكعبي - بابل... حين تُختصر الحضارة بمؤخرة سائحة..