أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 08:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بفوز القائمة العربية ب ١٩ مقعد في الانتخابات الإسرائيلية يكون العرب لأول مرة في تاريخهم يحاولون تنويع وسائل مواجهتهم للمشروع الصهيوني الدموي في فلسطين...
كثيرا ما ألححت علي فكرة أن وسائل النضال ضد المشروع الإسرائيلي التوسعي متعددة... وأن أخر تلك الوسائل - في ضوء الضعف العربي العام - هو استخدام القوة أو الوسائل العنيفة في الصراع...
وقلت ان تلك الوسيلة - استخدام القوة أو العنف - تعطي إسرائيل مبررا لاستخدام اقصي درجات القوة والعنف وهي مطمئنة... واننا بهذا نلاعب العدو علي أرضه وبين جمهوره...
أن المشروع الإسرائيلي جمع بين الخبث وبين القوة.. ومن السذاجة الشديدة ان نحاربه بوسيلة واحدة طوال ثلاثة أرباع قرن... هي عمر الدولة العبرية...
إن أحوال العالم تعطي لإسرائيل الفرصة كاملة لتحقيق كل اهدافها...
فأولا.. اقوي واغني واكبر دول العالم يقفون في صفها، ويعطونها كل ما تريد واكثر... المال والسلاح والعلم والتكنولوجيا والدعم الدبلوماسي والسياسي..
وثانيا.. يعاني اعداء إسرائيل - الامة العربية - من تشرذم فكري ومجتمعي وسياسي غير مسبوق في تاريخها كله...
ونحن رأينا - ومازلنا نري حتي اليوم - كيف عملت دول عربية معينة بهمة ونشاط غريبيين علي انهيار وهدم دولة عربية مهمة، وبعضها دول عربية محيطة بإسرائيل !!
ونحن رأينا - ومازلنا نري حتي اليوم - كيف تدخلت قوي اقليمية وصنعت نتوءات لها داخل الجسد العربي... وقد كبرت النتوءات ووصلت الي ابتلاع الجسد كله، والسيطرة علي القرار السياسي والعسكري في أكثر من عاصمة عربية...
ونحن رأينا - ومازلنا نري حتي اليوم - كيف تحول الداخل في أغلب الاقطار العربية إلي شبه حرب أهلية بين الفصائل السياسية والدينية والطائفية، وترك الدولة العربية الحديثة في أقصي درجات الضعف...
وسط كل تلك الظروف يجد المشروع الصهيوني في فلسطين نفسه أمام فرصة تاريخية لتحقيق ما عجز عن تحقيقه طوال تاريخه.. وحرمته ظروف الحروب أو ظروف السياسة من تحقيقه...
فهو في اقصي درجات القوة... وأعدائه في اقصي درجات الضعف...
وزاد علي ذلك أن فصائل من العرب لم تفهم طبيعة المرحلة التي يمر بها العالم - مع انها واضحة أمام الاعمي - وراحت تحارب إسرائيل بالوسيلة الوحيدة التي تجيد إسرائيل اللعب بها.. وسيلة القوة... وفي وقت العرب فيه في أسوأ أحوالهم...
فعلت ذلك حركة حماس - وهي التنظيم المحلي للإخوان المسلمين في فلسطين - وأعطت لإسرائيل المبرر لقتل مائة ألف فلسطيني، وتدمير قطاع غزة بصورة شبه كاملة، وتحويل الحياة فيه الي نوع من المستحيلات...
وأعطت الفرصة لإسرائيل لضرب لبنان بشراسة... والي اخراج سوريا مع معادلة القوة العربية لعقود قادمة وسلمتها الي إرهابيي تنظيم القاعدة...
وفي رأيي الشخصي أن ما حققته إسرائيل خلال السنوات الثلاث ما بين ٢٠٢٣ - ٢٠٢٦ يرقي الي كونه أحد المعالم الكبري في انتصار المشروع الصهيوني في فلسطين...
نصر لا يقل عن نصرها بتكوين الدولة في مايو عام ١٩٤٨ ...
ونصر لا يقل عن نصرها باحتلال سيناء والضفة الغربية ومرتفعات الجولان في حرب يونيو ١٩٦٧...
والحقيقة التي يمكن التصريح بها باطمئنان أن حركة حماس هي أكبر صديق لبنيامين نيتانياهو طوال تاريخه... أكثر حتي من ناخبيه من الاسرائيليين، وأكثر من الأحزاب الدينية المتطرفة التي تدعمه...
فحماس هي من أوصلت بنيامين نيتانياهو لحكم إسرائيل لأول مرة في حياته..
ولمن لا يتذكر، فبعد قيام متطرف اسرائيلي باغتيال اسحق رابين زعيم حزب العمل في إسرائيل في نوفمبر ١٩٩٥ كان المرشح الطبيعي للفوز هو خليفته شمعون بيريز... وبمجموعة من العمليات الانتحارية الفجائية من حركة حماس خلال مارس وابريل عام ١٩٩٦ انقلبت الأمور في إسرائيل رأسا علي عقب وتراجع بيريز في استطلاعات الرأي وتقدم منافسه بنيامين نيتانياهو...
وفي مايو ١٩٩٦ عقدت الانتخابات الإسرائيلية ليفوز نيتانياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية وسط دهشة الجميع...
لم يكن بنيامين نيتانياهو مغمورا بالنسبة للناخب الإسرائيلي ولا للمواطن العربي، فقد كان متطرفا صهيونيا منذ بدء حياته، عمل سفيرا لإسرائيل في أمريكا، ثم عضوا في الكنيست، وألف كتابا شهيرا عام ١٩٩٣ اسمه " مكان تحت الشمس " ظهرت فيه بلا لبس أسس سياسته التي اعلنها الرجل من أول يوم... وسار عليها حثيثا حتي هذه اللحظة...
وقد قرأت الكتاب وذهلت حقيقة مما جاء فيه...
ويحسب لبنيامين نيتانياهو - حقيقة - ان الرجل كان صادقا مع نفسه ومع جمهوره وحتي مع اعداءه.. ولم يخفي أبدا اهدافه.. وبعضها أهداف جنونية...
وبعد مساعدة حركة حماس الكبري لبنيامين نيتانياهو بإيصاله لحكم إسرائيل وبدء تحقيق اهدافه.. وقفت حماس بجانب نيتانياهو في كل مراحل حياته السياسية !!!
وفي كل انتخابات إسرائيلية كانت عمليات حماس الانتحارية - أو الاستشهادية - هي السلم الذي يصعد عليه نيتانياهو للوصول إلى رئاسة إسرائيل واستكمال مشروعه المعلن... وليس الخفي...
حدث ذلك عام ٢٠٠٩ ..
وحدث ذلك عام ٢٠٢٢ ..
وحدث ذلك في العملية الاستشهادية التي حدثت فجأة - وبعد طول هدوء - من اسبوع في الضفة الغربية، واعادت بعض الحظوظ لبنيامين نيتانياهو بعد أن كانت كل التوقعات تقول أنه أصبح جزءا من الماضي...
ومع تراجع حظوظ مشروع تهجير الفلسطنيين الذي طالما حاول نيتانياهو تنفيذه، وتكلم فيه نيتانياهو مع حسني مبارك عام ٢٠١٠ ورفضه مبارك بحسم، ومع إستعادة الدولة المصرية لعافيتها بعد اضطرابات ٢٠١١ - ٢٠١٣ كان مشروع التهجير يبتعد خطوات عن التنفيذ...
وهنا تدخلت حركة حماس... ولم تخيب أمل بنيامين نيتانياهو فيها...
ومرة ثالثة - أو رابعة أو خامسة - قدمت حماس طوق النجاة لبنيامين نيتانياهو...
وكانت عملية طوفان الاقصي في ٧ يناير ٢٠٢٣ ...
وهي عملية المخفي من أسرارها أكبر بكثير من المعلن... وغير الطبيعي أو غير المعقول فيها أكبر بكثير من المعقول أو المنطقي...
ولكن الأكيد - بعد ما تكشف وهو قليل - أن بنيامين نيتانياهو كان يعلم بعملية ٧ أكتوبر قبل حدوثها وانه بطريقة ما تركها تمر لكي يستثمر الضجة الكبري المتوقعة من وراءها لتحقيق كل اهدافه... وبضربة واحدة...
نوع من ١١ سبتمبر إسرائيلية.. تستخدمها إسرائيل لتحقيق كل اهدافها... مثلما كانت ١١ سبتمبر الأمريكية بداية العصر الامبراطوري الأمريكي.. وبدء قصة حروب بلا نهاية تقوم الولايات المتحدة تحت اعلامها بإعادة ضبط البيئة العالمية طبقا لمصالحها...
وحقق بنيامين نيتانياهو من عملية ٧ أكتوبر أغلب أهدافه... ولم يبق أمامه سوي هدف واحد...
فقد قتل رئيس حزب الله.. وأضعف الحركة كثيرا عما كانت عليه من قبل...
وقضي علي بشار الأسد، وهو - وبرغم أي شئ - كان وكانت سوريا معه شوكة قوية أمام إسرائيل وتوسعها...
وتحول نيتانياهو وإسرائيل معه الي وحش الشرق الاوسط المخيف.. الذي يضرب في قطر ويضرب في اليمن... ويضرب في ايران ويضرب في بيروت...
وحتي الهدف الوحيد الذي لم يستطع بنيامين نيتانياهو تحقيقه حتي اليوم برغم كل قوة إسرائيل وبرغم كل خدمات حركة حماس له - وهو تهجير الفلسطنيين من غزة - اقترب الي حد ما من تحقيقه...
فقد حشر مئات الألاف من الفلسطنيين في الخيام في ظروف غير ادمية انتظارا لظروف أخري ربما يستطيع...
ومصر وحدها هي التي اعاقت - ومازالت تعيق - تهجير الفلسطنيين حتي اليوم...
ومازالت حركة الإخوان المسلمين في مصر - استكمالا لجهد نظيرتها الفلسطينية - نشيطة في محاولة خلق ظروف تنشأ فيها اضطرابات في مصر يكون من نتيجتها ضعف السلطة في مصر... وإذا بنيامين نيتانياهو يحقق كل أهدافه... ومنها هدفه بتهحير الفلسطنيين في غزة إلي سيناء... متوجا مسيرة سياسية ظافرة استمرت لعقود يستحق عليها لقبه الذي عرف به بأنه.. ملك إسرائيل...
وبعد هذه الجولة التي طالت حول القضية الفلسطينية وظروفها في عصرنا نرجع الي حدث اليوم.. وهو بدء التحول في تفكير جزء من الشعب الفلسطيني واستخدام ما في يده من وسائل للحركة... ومنها محاربة المشروع الإسرائيلي من داخله... وهي وسيلة - الي جانب وسائل أخري استخدمتها شعوب كثيرة - كفيلة بإعادة وضع الشعب الفلسطيني وقضيته علي مسار سليم.. يستخدم فيه كل ما اعطته له الحياة من وسائل للفعل والحركة... محاربا معركته من أجل الحياة ومن أجل الوجود ومن أجل السيادة... حتي لو تأخرت سنين... أو عقود..
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟