|
|
30 يونيو 2013... ضربة البداية.. وصافرة النهاية !!
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 22:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يبسَّط كثيرون معني ما حدث في مصر في مثل هذه الايام من ١٣ سنة، فبعض الناس يراه انتقالا من حكم الي حكم، أو من نظام الي نظام... وبعضهم يراه ثورة شعبية، وأخرون يرونه انقلابا عسكريا... وهو أبعد شئ عن الحقيقة... لقد كان ما حدث في مصر يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣ هو الرد المصري علي مشروع أمريكي طويل المدي متعدد المراحل، بدء التخطيط له في التسعينات من القرن العشرين، وبدء خطواته التنفيذية الاولي مع فجر القرن الحادي والعشرين... وقد اتخذ هذا المشروع إسم " مشروع الشرق الأوسط الكبير "...
وقلت انه الرد المصري، ولم أقل انه رد عبد الفتاح السيسي، أو حتي رد الجيش المصري علي مشروع أمريكي معلن... شديد الجموح ومتعدد المراحل... انه رد شعب مصر ــ تيارات سياسية وفكرية فهمت بعد فترة ضباب حقيقة الأمر، وأجهزة دولة رأت حقيقة المشروع منذ لحظة ميلاده، ولكن الموج كان عاليا للغاية فلم تستطع الوقوف أمام الإعصار، وقيادات ربما أصاب بعضها الترهل ولكن عند لحظة الحقيقة سمعت نداء الواجب والتزمت به، ووراء كل هؤلاء وأمامهم كتل هائلة من ابناء مصر رأت بعينها كيف أن بلدها في طريقه إلي المجهول أو الي مصير غامض ــ كان ما حدث يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣ هو ببساطة رد كل هؤلاء علي ما جري في بلدهم طوال العقدين السابقين عليه، وليس فقط علي ما حدث خلال السنتين السابقتين...
ولم أذكر الاخوان المسلمين في حديثي، برغم أن ما حدث يوم ٣٠ يونيو كان ــ ظاهريا ــ موجها ضدهم كجماعة ومشروع، وضد حكمهم... رئيسا ومرشدا... فقد كان رأيي ــ ومازال ــ أن الاخوان المسلمين أضعف ــ وربما أتفه ــ وأقل شأنا بمفردهم من أن يستطيعوا ان يفعلوا شيئا جديا في مصر، ولكن الاخوان المسلمين بالولايات المتحدة راعيهم الحديث وبريطانيا راعيهم القديم يستطيعون فعل أي شئ... كان الاخوان المسلمين مجرد ترس صغير في ألة هائلة ورهيبة، مسرحها هو رقعة الشرق الأوسط وما يحيط به، ومحرك هذه الألة الهائلة والرهيبة هو الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الاوربيين، وقد ضمت تلك الألة الهائلة والرهيبة تيارات سياسية مختلفة المشارب، وتنظيمات سمت نفسها منظمات مجتمع مدني، وأفراد مغامرين باحثين عن فرص للثراء أو فرص للمناصب، ووجدوا في مناخ مشروع دولي كبير للمنطقة ضالتهم وفرصتهم التي لا تعوض... اجتمع كل هؤلاء في لحظة ضعف وترهل أصاب الدولة المصرية، وكان أن وجد تنظيم الاخوان المسلمين ــ وهي منظمة غامضة لها ارتباطات خارجية أغلبها مخفي تخت طبقات من الكتمان والأستار ــ ومعهم تيارات سياسية قرأت خطأ حقيقة ما تراه، وبجانبهم أفراد مغامرين باحثين عن الثراء او المناصب يصلون الي قيادة الدولة المصرية... في لحظة هي الأصعب والأخطر ما كل ما مر بمصر طوال تاريخها الحديث...
فقد عرفت مصر الاحتلال الاجنبي مع الاتراك لمدة ثلاثة قرون، ومع الفرنسيين لمدة ثلاث سنوات، ومع الإنجليز لمدة ٧٤ عاما.. ولكن في النهاية ذهب الاتراك وانسحب الفرنسيين واندحر الانجليز... وظلت مصر كما كانت دائماً بلدا موحدا وشعبا متحدا... وعرفت مصر استيلاء عدو عابر علي جزء من أرضها... كما حدث من إستيلاء الإسرائيليين علي شبه جزيرة سيناء لمدة ١٥ سنة... من ٥ يونيو ١٩٦٧ الي ٢٥ ابريل ١٩٨٢... وفي النهاية انسحب الاسرائيليين من سيناء... بالحرب حينا وبالسياسة حينا.... ولكن مع المشروع الأمريكي لتغيير الشرق الاوسط ــ وفي القلب منه مصر ــ ووصول هذا المشروع الي ذروة نجاحه بوصول الاخوان المسلمين ــ وهم أحد أهم الاذرع الأمريكية لتنفيذ مشروعهم في الشرق الأوسط ــ لحكم أهم دوله، كانت مصر علي موعد مع ما لم تعرفه او تختبره طوال تاريخها...
كانت مصر علي موعد ــ لا قدر الله ــ مع تسليم أرضها طوعا ــ جزء من شمال سيناء ــ ليقيم فيه اهل قطاع غزة وطنا بديلا عن أرضهم، وذلك تنفيذا لخطط اسرائيلية معروفة ومعلنة منذ عقود ( وتجمع مصادر لا يشك في صدق كلامها ان جزءا هاما من صفقة وصول الاخوان المسلمين لحكم مصر بالاتفاق مع الامريكان وسكوت الاسرائيليين ومباركتهم لذلك هو لهذا السبب بالتحديد)..
وكانت مصر ــ لا قدر الله ــ علي موعد مع حرب أهلية بين أبنائها، ظهرت نذرها طوال سنتي ٢٠١٢ و ٢٠١٣، تدل عليها فتن لا تتوقف بين مسلمي مصر ومسيحييها، لدرجة ان تم انتهاك حرمة الكاتدرائية القبطية لأول مرة في تاريخ مصر... وفتن بين مسلمي مصر أنفسهم، وتقسيمهم شيعا وطوائف بلا حصر... فهؤلاء أخوان وهؤلاء سلفيين، وهؤلاء علمانيين وهؤلاء ليبراليين، وهؤلاء مؤمنين وهؤلاء ملحدين، وهؤلاء فلول وهؤلاء ثوار، وهؤلاء عسكر وهؤلاء مدنيين، وهؤلاء نظام قديم وهؤلاء نظام جديد، وهؤلاء مع المشروع الاسلامي وهؤلاء يحاربون المشروع الاسلامي.... الي آخره !! وهكذا كاد الأمر يصل ببعض المصريين ان الوصول الي استنتاج أن الحل الوحيد لتصفية خلافاتهم هو حمل السلاح ضد بعضهم البعض، ولولا لطف الله ورحمته لسفكت دماء مئات الألوف من دماء أبناء مصر علي أيدي ابناء مصر... ولضاعت مصر... وربما الي غير رجعة... وكانت عبقرية ما حدث يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣ هو انه كان الأسلوب المصري المتحضر لحل خلافات ذهبت بأوطان أخري قريبة ومجاورة... تنادي المصريون شعبا وجيشا لإنقاذ مصر من أهل التنظيمات والفتن، وأدوات المشروعات الأجنبية، وبجهد هائل من شعب مصر وجيشه البطل وقائده الشجاع تخلصت مصر من أخطر فخ نصب لها في تاريخها الحديث....
وخارجيا... كان ما حدث يوم ٣٠يونيو ٢٠١٣ بمثابة زلزال هائل ضرب منطقة الشرق الأوسط بكاملها، ومجئ زمان الجزر علي مشروع عاش فترة مد هائل، بدء تنفيذه واستمر لعقد كامل من الزمن... ووقفت الي جانب مصر في صراعها مع المشروعات الأجنبية وأدواتها المحلية دول قليلة في الاقليم وخارجه... كان من دول الاقليم المملكة السعودية ودولة الإمارات والأردن ومملكة البحرين ودولة الكويت.... ولم يتأخر الرد الأمريكي عقابا لدول الخليج التي وقفت الي جانب مصر... وخاصة السعودية والامارات.. فكان أن عقدت الولايات المتحدة اتفاقها الشهير مع ايران عام ٢٠١٥ وبمقتضاه تم اطلاق يد إيران في الخليج العربي، وفك جزء كبير من الأموال الايرانية المجمدة في بنوك الغرب، والتساهل نوعا ما مع برنامج ايران النووي والصاروخي... كان الغرض ترهيب السعودية والخليج بالتقارب الأمريكي مع الايرانيين، وأن أمريكا يمكن أن تلجأ الي عدوهم وقت الحاجة ثم أكملت الولايات المتحدة قفل الدائرة علي دول الخليج، وكانت الطعنة الثانية الغادرة، فإذا بالولايات المتحدة تعطي الضوء الأخضر لإيران لكي يسيطر الحوثيين علي كامل اليمن، والي درجة دخولهم صنعاء العاصمة، وفي ذلك تهديد خطير لدول الخليج العربية، ونصر حاسم لإيران... ودخلت السعودية والامارات الحرب في اليمن... وكان ترتيب من خطط للأمر كله ان ذلك فخ لمصر وقيادتها الجديدة بمثل ما هو عقاب للسعودية والامارات علي وقوفها مع مصر اثناء وبعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣...
وكانت مصر في موقف في منتهي الصعوبة... وبين خيارين أحلاهما مر : ١ ــ إما ان تستجيب لطلب ونجدة السعودية والامارات وتدخل بجيشها حرب اليمن، وتستعيد ذكريات أليمة في العقل والوجدان المصري، عندما ذهب الجزء الأهم والقوة الضاربة في الجيش المصري الي اليمن عام ١٩٦٢، وبقي هناك سنوات يحارب علي جبال اليمن ووديانه، وفي مدنه وقراه، وبعد إنهاك كبير للجيش المصري وقوته الرئيسية في اليمن ضربت إسرائيل ضربتها المخطط لها في ٥ يونيو ١٩٦٧، وحققت نصرا سهلا لم تكن تستحقه... ولم تكن القيادة المصرية الجديدة ــ الرئيس عبد الفتاح السيسي ــ تريد تكرار تلك التجربة الاليمة، خصوصا وان خطط إسرائيل للاعتداء علي سيناء مرة أخري وطرد الفلسطنيين من اهل غزة اليها معلنة، ومعني ذهاب الجيش المصري الي اليمن صنع فراغ تستطيع إسرائيل استغلاله، كما حدث بالضبط يوم ٥ يونيو ١٩٦٧... ٢ ــ وإما ان ترفض القيادة المصرية الجديدة ــ الرئيس عبد الفتاح السيسي ــ دخول الجيش المصري حرب اليمن مساعدة للاشقاء في المملكة السعودية ودولة الإمارات، وهم الذين خاطروا بغضب أمريكا عليهم من أجل مصر في يونيو ٢٠١٣، وبالتالي تفقد مصر أهم حليفين لها، وتصبح معزولة وحدها بلا حليف يعتمد عليه، وفي ظرف شديد الصعوبة... وبالتالي يمكن اصطيادها... وكان أن اختار الرئيس عبد الفتاح السيسي الخيار الثاني، آملا ان توضح الأيام والشهور حقيقة الموقف المصري أمام الاشقاء، وهو أنه ليس تخليا من الشقيق عن شقيقه وقت أزمته، ولكن لأن مصر تواجه هي أيضا عدو متربص أمام باب بيتها، وأي غفلة عنه ستجد مصر نفسها أمام كارثة سوف تضطرها الي دفع أثمان باهظة للتعامل معها، خصوصا إذا كان العدو المتربص أمام باب بيتها وراءه دولة عظمي ودول كبري يمدونه بالسلاح والمال والتكنولوجيا... وتقلبت الاحوال بمصر خلال تلك السنين شديدة الاضطراب، وهي مازالت مستمرة معنا حتي اليوم... وان اتخذت الحرب علي مصر وشعبها وقيادتها مسارات أخري ومسالك متباينة أكثر خبثا...
وخلاصة ما سبق أن ما حدث في مصر يوم ٣٠ يونيو ٢٠١٣ كان نهاية عصر وبداية عصر جديد، واسدال الستار ــ ولو مؤقتا ــ علي مشروعات لقوي عظمي استمر التخطيط لها وتنفيذها سنين طويلة وجهودا كبيرة وتكاليف هائلة... وبلغة كرة القدم ــ ونحن نعيش هذا الشهر أجواء كأس العالم ــ فإن الولايات المتحدة الأمريكية وأذرعها المحلية وعلي رأسهم الإخوان المسلمين بدأوا "ضربة البداية" لمشروعهم في مستهل هذا القرن... ولكن الشعب المصري وجيشه وقائده هم من أطلقوا "صافرة النهاية" علي تلك المباراة الشرسة في مثل هذا اليوم من ١٣ سنة...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات قاهرية...
-
الكرنك...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(4) كيف ولماذا تنهار الإمبراطوريات
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(3) كيف تتصرف دول العالم إزاء الامب
...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكي
...
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
-
كلام فارغ...
-
العسكريين والمدنيين في أمريكا...
-
لماذا يوجه كل اللوم لإيران ؟! ولماذا تعفي أمريكا وإسرائيل من
...
-
المنزلق الخطير...
-
اختراق إيران....
-
مصر... ودول الخليج العربية !!
-
كيف تلاعب البريطانيون والامريكان بإيران طوال قرن من الزمان ؟
...
-
حوار مع صديق ... لماذا أقف مع إيران في هذه الحرب... وضد أمري
...
-
صوت مختلف من ايران...
المزيد.....
-
جنبلاط للشيباني: أفضل العلاقة المتوازنة مع سوريا على اتفاق -
...
-
غالوزين: مطالبة سيبيغا لروسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أم
...
-
ممثل المرشد الإيراني في الهند: مجتبى خامنئي لن يحضر جنازة وا
...
-
ترامب يهنئ ماسك بعد استعادته لقب التريليونير ويؤكد استمرار ا
...
-
المغرب.. حريق في -غابة المعمورة- ينتهي بسقوط طائرة خفيفة ومص
...
-
هاكان فيدان يتحدث عن -توحد- تركيا ومصر والسعودية وباكستان
-
-القسام- تبث مشاهد استشهاد أحد مقاتليها أثناء تنفيذه كمينا ض
...
-
الداخلية السورية تكشف التفاصيل الكاملة لتفجير مقهى في دمشق
-
الشيباني في بيروت.. رسائل إلى لبنان و-حزب الله- وإسرائيل
-
ترامب: لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|