|
|
عن الإمبراطورية الأمريكية(2) كيف تمارس الامبراطورية الأمريكية قوتها وكيف تتفاعل مع زمانها؟
أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 12:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يكف العقل الاستراتيجي الأمريكى عن الاهتمام بموضوع الدولة والامبراطورية، ويري الاتجاه السائد فيه أن النموذج القائم علي سيادة الدول وتساويها في الحقوق والواجبات وفي تعاملها بالمثل معا لا يمكن الوثوق بقدرته علي التعامل بنجاح ازاء التحديات السائدة، فإخفاق كثير من الدول في أداء وظائفها، وانهيار الوحدة الوطنية في هذه الدول يحفزان الاخرين علي التدخل في شئونها الداخلية أو يسوغان تكوين الإمبراطوريات ( كأن سياسة تفجير الدول من الداخل وتشجيع أطراف وتيارات منفلتة او متعصبة سياسة مقررة ومنظمة وواعية لتلك الإمبراطوريات، وتهدف للوصول إلى الحالة التي يصبح فيها وضع تلك الدول تحت حماية الدول الكبرى أو الإمبراطوريات تفضلا وعملا كريما )...
فمن الغريب أنه في الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة الي تكوين إمبراطورية - وهي بحكم الواقع دولة عظمي ذات نفوذ وامتداد عالمي - تسعي الي تفتيت الدول المنافسة الاخري الي وحدات أصغر، او الي جيوب طائفية او دينية أو عرقية، كأنما لا تريد " دولة " سواها، وفي الوقت الذي تركز فيه نخبتها الامبراطورية علي عوامل وحدتها كدولة، يركز اتباعها أو المتأثرين بخطابها في الدول الاخري علي عوامل التفرقة والتجزئة في دولهم، تحت أوهام الهوية الخاصة او الديموقراطية أو الحرية او تقرير المصير لمجموعات صغيرة أو منعزلة من السكان، في مفارقة غريبة، حيث دولة تضم اخلاطا من الشعوب والأديان والطوائف تريد أن تصنع منهم سوبر دولة - أو إمبراطورية - في حين ان دولا كثيرة حول العالم يتم العبث بوحدتها وتقسيمها تحت ادعاءات شتي، تجدد نفسها وخطابها كل حين...
وفي نظر رعاة الامبراطورية الأمريكية فإن الامبراطورية الرومانية هي الشكل الابرز لكيف تقوم الامبراطوريات العظيمة بممارسة مسئولياتها، واخطائها هي ما لا يجب أن تقع فيها الامبراطورية الأمريكية، في حين قدمت الامبراطورية البريطانية الغاربة دروسا كبري للامبراطورية الأمريكية البازغة، تضع امامها القدرات التي يجب على أمريكا أن تحوزها إذا ما أرادت البقاء والتغلب علي تحدياتها...
ولابد من الاعتراف ان كون الامبراطورية الأمريكية قائمة علي النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري علي بلدان العالم - بديلا عن الاحتلال العسكري المباشر - يعطيها مرونة كبيرة، لم تكن تملكها الإمبراطوريات القديمة القائمة علي السيطرة بالقوة العسكرية علي بلدان وشعوب أخري، ويجعل من قدرتها علي المناورة والتراجع في مناطق مقابل التقدم في مناطق أخري بديلا عن الجمود الذي تميزت به سياسات امبراطوريات سابقة...
من ضمن اهم نقاط الاختلاف بين الامبراطورية الأمريكية وما سبقها من امبراطوريات ان الإمبراطوريات القديمة كانت سياستها في المناطق التابعة تقوم علي القسر والارغام بالقوة، في حين أن الامبراطورية الأمريكية هي أول امبراطورية في التاريخ تستخدم مزيجا من الاقناع والاغراء والخداع - وبجانبهم وسائل الجبر والارغام اذا استلزم الامر - في سياساتها للهيمنة، وقد وصلت الولايات المتحدة في ابتداع وسائل حديثة للتأثير في الخصوم والاصدقاء وتحويلهم الي دمي في يدها الي حدود متقدمة للغاية، كأسلوب التعليم العالي والسيطرة علي المنتج التعليمي عالميا، وهو ما مكنها من خلق نخب بعشرات الالوف في كل دول العالم المتقدم والنامي يدينون لها بالولاء، بعد ان امتلأت عقولهم بما أراد الامريكان ملئه من مفاهيم ورؤي ومعلومات.. ويجئ أسلوب الثورات الملونة او صنع القلاقل والاضطرابات من الداخل كواحد من أشهر الاساليب والسياسات المسجل حق ابتكارها للامبراطورية الأمريكية، كما تأتي فنون الدعاية - بالسينما والكتاب والصحيفة ثم الانترنت - كأحد اهم ادوات الامبراطورية الأمريكية للهيمنة علي العقول والقلوب اولا ، وبعدها علي القرار، ومن ثم علي الثروات... وبجانبهم السيطرة الاقتصادية المستندة في اغلبها علي ما راكمته من نفوذ سياسي نافذ تسنده قوة عسكرية هائلة..
ولمنطق الامبراطورية حركته ودوافعه، وهي فوق آراء وتوجهات الافراد، فليس مهما ان جورج بوش الإبن أو باراك أوباما او جو بايدن او دونالد ترامب هو رأس السلطة في أمريكا، ولكن الهياكل الحاكمة الحقيقية هي من تقرر السياسة، وعلي السلطة السياسية اخراجها بأسلوبها والمؤثرات الخاصة بها، ويلتحق بهذا المبدأ العام الذي يحكم الولايات المتحدة - سواء في عهد الدولة العظمي او عهد الامبراطورية - ان وصول أشخاص معينين الي قمة جهاز السلطة - رئاسة الدولة - يكون دائما متسقا مع اللحظة التي تتقرر فيها سياسة معينة ويأتي اختيار الاشخاص - بتكوينهم النفسي والفكري - متسقا مع طبيعة ما يراد منه تحقيقه في تلك اللحظة... ومن هنا يمكن فهم اختيار رجل مثل جورج بوش الابن لإدارة لحظة ميلاد النزعة الامبراطورية الأمريكية، واختيار رجل مثل باراك حسين أوباما لإدارة الامبراطورية في مقدمات واثناء الربيع العربي، واختيار رجل مثل دونالد ترامب وصل التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية قبيل قدومه حدودا لا يمكن تجاهلها أو السكوت عليها... فاختيار الاشخاص الذي يقودون الامبراطورية - بالإضافة إلى أن كل من حولهم من مساعدين هم رجال اكثر قربا من المؤسسية الأمريكية او الدولة الأمريكية العميقة - يمكن فهمه في ضوء طبيعة الفترة التي يتولون فيها مناصبهم وطبيعة التحدي الذي يواجه الامبراطورية..
وهناك نظريات وأراء عديدة تجادل أن بعد فترة معينة فإن السياسة الامبريالية - التوسع والهيمنة علي الاخرين - تتعادل منافعها مع تكاليفها، ثم تهبط المنافع تدريجيا وترتفع التكاليف، فمع التوسع العسكري الخارجي وتكاليفه الباهظة، ومع ما يترتب عليه من ضرورة الدخول في صراعات وحروب خارجية فإن تكاليف الامبريالية والامبراطورية تزيد عن المنافع المتوقعة من السيطرة على الموارد الاقتصادية وعلي ممرات التجارة... وخوفا من هذه الحقيقة التي كانت السبب في اضمحلال الامبراطوريات السابقة لجأت الامبراطورية الأمريكية في حلها الي وسيلتين هما : أ - خلق بعض الدول الوظيفية التي تشبه الحاميات العسكرية، التي تعمل في خدمة الامبراطورية وتحقق مصالحها بالقوة العسكرية، وبدون وضع أعباء عسكرية زائدة عن الحد علي عاتق الامبراطورية.. وهو بالضبط دور إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.. ودور تايوان وكوريا الجنوبية في أسيا.. وبالاضافة الي الدول الوظيفية خلق عشرات - وربما مئات - من التنظيمات والتشكيلات السياسية ذات الطابع العسكري، تعمل هي الاخري كأذرع لتحقيق مصالح الامبراطورية، حتي وان ادعت في خطابها لجمهورها أو خطابها العام أنها ضد الامبراطورية الأمريكية، وهذه التنظيمات والتشكيلات - واغلبها ذو طابع عسكري - تنتشر علي كامل الطيف السياسي... تنظيمات دينية، واخري ليبرالية في خطابها العام، أو يسارية التوجه... ب - تحميل وحدات سياسية تابعة جزءا ضخما من الاعباء الاقتصادية للامبراطورية، سواء بدفع نفقات التواجد الأمريكي علي ارضها، وكذلك بتحميلها جزءا من الحروب التي تخوضها الامبراطورية الأمريكية بداعي انها تحقق أيضا مصالح تلك الوحدات التابعة او تدفع عنها الضرر ( والصورة الابرز لذلك تحميل الولايات المتحدة لليابان واوربا الغربية وكندا واستراليا تكاليف حرب الخليج عام 1991 ).. والصورة الاخري هي الهيمنة علي الموارد الاقتصادية ذات الأهمية الكبري في عالم اليوم، ومثالها الابرز هيمنة الولايات المتحدة علي سلوك وسياسة دول كثيرة منتجة لتلك الموارد شديدة الاهمية، ومحاولة " تركيع " الدول متوسطة القوة التي تحوز كميات كبيرة منها - والبترول مثالها الأشهر - وما حدث في فنزويلا من شهور وفي إيران من اسابيع يندرج ضمن هذا المسعي..
والامبراطورية الأمريكية تقسم العالم الي خمس أقاليم عسكرية كبري هي: أمريكا الجنوبية، وأوربا، والشرق الأوسط، وامريكا الشمالية، والمحيط الهادي، يقود كل منطقة من هذه المناطق قيادة عسكرية تحت يدها عشرات الألاف من الجنود وعتاد حربي هائل - حوالي 250 ألف جندي كما تقدرهم المصادر الأمريكية - يتوزع هؤلاء الجنود علي اكثر من700 قاعدة عسكرية الأمريكية منتشرة في نحو 150 دولة حول العالم.. ( وفق تقارير رسمية أمريكية حديثة، تمتلك أو تستخدم الولايات المتحدة أكثر من 128 قاعدة ومنشأة عسكرية رئيسية في نحو 51 دولة... أما التقديرات الأوسع التي تشمل القواعد الصغيرة ومراكز الرادار والمخازن والمنشآت اللوجستية والمواقع المؤقتة، فتتحدث عن حوالي 750 إلى 800 قاعدة ومنشأة عسكرية خارج الولايات المتحدة في أكثر من 80 دولة وإقليما ).. وقد شبه كتاب غربيون كثيرون هؤلاء القادة العسكريين بالولاة والحكام العسكريين التي كانت الامبراطورية الرومانية تنصبهم علي الولايات التابعة لها، خاصة وان هؤلاء القادة العسكريين الأمريكيين وبما تحت يدهم من قوات وسلاح يسيطرون سيطرة شبه كاملة علي المناطق والاقاليم التي يتواجدون فيها، وبمقدورهم تعزيز مكانة بعض الأنظمة ودعمها، كما بإمكانهم تخويف أنظمة اخري وخلق المتاعب لها، وهذه القواعد العسكرية تمثل العمود الفقري للامبراطورية الأمريكية، وتمنح هذه القواعد الولايات المتحدة - دونا عم كل دول العالم - القدرة على فرض ارادتها في أي منطقة وأضية دولة حول العالم...
بمزيج من الخداع والاغراء والسيطرة علي العقول والتهديد باستخدام القوة واستخدامها احيانا بالفعل تمارس الامبراطورية الأمريكية دورها في عالمها...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
داعش... وبلجيكا... والغني والفقر...
-
عن الإمبراطورية الأمريكية (1) كيف ولماذا نشأت الامبراطورية ا
...
-
كده برضه يا قمر...
-
مصر.... وليست تركيا !!
-
هل الوطنية والقومية فاشية ؟!!
-
هل أمريكا تريد تغيير النظام في إيران أم تريد تغيير سلوكه ؟
-
كلام فارغ...
-
العسكريين والمدنيين في أمريكا...
-
لماذا يوجه كل اللوم لإيران ؟! ولماذا تعفي أمريكا وإسرائيل من
...
-
المنزلق الخطير...
-
اختراق إيران....
-
مصر... ودول الخليج العربية !!
-
كيف تلاعب البريطانيون والامريكان بإيران طوال قرن من الزمان ؟
...
-
حوار مع صديق ... لماذا أقف مع إيران في هذه الحرب... وضد أمري
...
-
صوت مختلف من ايران...
-
الفساد في إيران...
-
مشكلات الاقتصاد الايراني..
-
حديث الارقام... ما أهم مؤشرات الاقتصاد الإيراني ؟
-
قطاع الخدمات في إيران...
-
ماذا تُنتج إيران... وماذا تصَّدر ؟ كيف حال قطاع الصناعة الإي
...
المزيد.....
-
تزايد تقليص الهجرة الشرعية لأمريكا بشكل غير مسبوق
-
فيديو يُظهر ما يبدو إلى تعرض حشد لرذاذ الفلفل بعد إقبال كثيف
...
-
أبوظبي: التعامل مع حريق خارج محطة براكة للطاقة النووية إثر ض
...
-
ألمانيا ـ تقرير يرصد تراجعا -مقلقا- لرفاهية وتعليم الأطفال
-
ما شروط إيران لاستئناف المحادثات مع واشنطن؟
-
التهجير الخفي.. كيف تعيد إسرائيل تشكيل الواقع الديمغرافي في
...
-
لماذا لم يعد العالم ينجب أطفالا؟
-
هل تكشف إعادة التحقيق دور أرملة رئيس رواندا السابق في الإباد
...
-
أمنيات يغتالها نتنياهو.. أبناء غزة يغيبون مجدداً عن مناسك ال
...
-
عبر الخريطة التفاعلية.. غارات مكثفة تستهدف قضاء صور في لبنان
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|