أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 14:03
المحور:
الادارة و الاقتصاد
مازلنا نبتعد خطوات عن صراع النار والدم ونقترب من صراع الاقتصاد والمال خطوات... وحديثنا اليوم عن مشكلات الاقتصاد الإيراني، والمصاعب التي تقابله... حيث يعاني الاقتصاد الايراني من مجموعة متنوعة من المشكلات، ويواجه حزمة من التحديات التي تحد من انطلاقه، وكثيرا ما يثور التساؤل حول أسباب تدني دخول ومستوي معيشة أغلب الايرانيين، وتأخر الاقتصاد الايراني مقارنة باقتصادات دول نفطية أخري، برغم امتلاك ايران لاحتياطات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، وحيازتها لثروات طبيعية وبشرية متنوعة، وبنية صناعية وتكنولوجية ترجع الي عصر الشاه.
واجمالا أهم المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الايراني المعاصر يمكن تلخيصها في الآتي..
أولا: مشكلة العقوبات الاقتصادية وأثرها...
بعد حادث اقتحام السفارة الامريكية في طهران في نوفمبر ١٩٧٩ فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية علي ايران، تمثلت في فرض حظر تجاري وحظر السفر، وفي عام ١٩٩٥ تم فرض حظر اقتصادي شامل لمنع ايران من التزود بتقنيات تساعدها في مشروعها النووي، وفي عام ١٩٩٦ أقر الكونجرس الامريكي حظر تصدير معدات الطيران الي ايران، وفرض عقوبات اقتصادية علي الشركات التي تتعامل مع ايران – وليبيا ايضا – وتلك التي تستثمر أكثر من ٢٠ مليون دولار سنويا في قطاع النفط والغاز في ايران..
وفي عام ١٩٩٧ أصدر الرئيس الامريكي أوامر تنفيذية بحظر تصدير جميع السلع والخدمات من امريكا الي ايران أو العكس، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات علي ثلاثة مصارف ايرانية، ثم أضافت وزارة الخزانة الامريكية العديد من المصارف الايرانية الي قائمتها السوداء، وأضافت نحو ٢٠ شركة من شركات البترول والشركات البتروكيماوية باعتبارها واقعة تحت سيطرة الحكومة الايرانية، مما يجعلها غير مؤهلة للتعامل مع قطاع الأعمال الامريكي، وفي عام ٢٠٠٧ فرض مجلس الأمن عقوبات علي شركات وأفراد لهم علاقة بالبرنامج النووي، وقد تضمنت العقوبات تجميد أصول ٢٨ فردا وشركة لهم علاقة ببرامج التسليح الايرانية، وفي عام ٢٠٠٨ زادت القيود الامريكية علي الاقتصاد الايراني، وفي عام ٢٠١١ بلغت العقوبات الاقتصادية مرحلة متقدمة مستهدفة القطاع النفطي والقطاع المصرفي، وهو ما أثر علي قطاعات أساسية في الاقتصاد الايراني، وأدي الي انخفاض سعر الصرف وارتفاع معدل البطالة والتضخم.
وفي عام ٢٠١٣ تم استهداف صناعات انتاج السيارات والالكترونيات وشركات الانترنت الحكومية والبث التلفزيوني في ايران، وفي عام ٢٠١٥ استطاعت ايران التوصل مع الدول الكبرى ( الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا والصين وروسيا ) الي اتفاق يوقف الحظر الاقتصادي والعقوبات الامريكية الاوربية عليها، لكن مع وصول رئيس أمريكي جديد - الرئيس دونالد ترامب - عام ٢٠١٦ انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق من جانب واحد، وأعادت سلسلة شديدة الوطأة من العقوبات علي الاقتصاد الايراني بدءا من ٢٠١٨، وهي مستمرة حتي اليوم..
وقد تنوعت أثار العقوبات الاقتصادية علي الاقتصاد الايراني، ويمكن اجمالها في الاتي :
١ - انخفاض معدل نمو الاقتصاد الايراني: لم تستطع ايران المحافظة علي معدلات نمو عالية او مستقرة منذ فترة طويلة، اذ أدت العقوبات الغربية الي انكماش حاد ومعدل نمو بالسالب في كثير من السنوات للاقتصاد الايراني، اذ حقق الناتج المحلي الاجمالي نموا بالسالب في أعوام ٢٠١٢ و ٢٠١٣ و ٢٠١٥ و ٢٠١٨ و ٢٠١٩ ومعدل نمو موجب - ولكن ليس مرتفعا - في باقي السنوات، وقد ارتبط ذلك مع انخفاض انتاج القطاع النفطي في ايران – وهو القطاع القائد في الاقتصاد الايراني - بنسبة ٣٧% عام ٢٠١٩ علي سبيل المثال، في حين كان نمو الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي قريبا من الصفر في نفس العام ..
٢ - الاثر علي قطاع النفط الايراني: تراجع انتاج النفط كثيرا في ايران كنتيجة للعقوبات الاقتصادية، كما تراجعت صادرات النفط الايرانية الي مستويات منخفضة، وقد كانت ايران تصدر نحو ٢,٥ مليون برميل في المتوسط يوميا خلال عامي ٢٠١٦ – ٢٠١٧ ثم تراجع عام ٢٠١٨ الي مليوني برميل يوميا مع عودة العقوبات الاقتصادية واعطاء الولايات المتحدة الامريكية استثناء لثمانية دول لمدة ستة شهور، مع عدم تمديد ذلك الاستثناء مرة أخري ، وهو ما الي انخفاض حاد في صادرات البترول الايرانية، وقد تراوحت صادرات النفط الايرانية الي ١٢٥ - ٢٠٠ ألف برميل فقط عامي ٢٠١٩ - ٢٠٢٠، وهو الأدنى منذ خمسة عقود، واعلنت السلطات الايرانية ان ايران اعدت موازناتها علي نحو لا تزيد فيه العوائد النفطية في الميزانية الحكومية عن ٢٥% ( تقليديا كان اعتماد ايران علي النفط يزيد علي ٧٠% )..
وبمجرد عودة العقوبات انسحبت الاستثمارات الاجنبية المباشرة العاملة في قطاع النفط، فعلي سبيل المثال انسحب شركة توتال الفرنسية – وهي أكبر مستثمر في قطاع الطاقة الايراني – من خطة تطوير حقل بارس الجنوبي، وهو أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، كما انسحبت من السوق الايرانية شركات كبري مثل رويال داتش البريطانية الهولندية ولوك أويل الروسية وريلاينس الهندية، كما تأثرت صناعة تكرير النفط في ايران كثيرا نتيجة للعقوبات الاقتصادية، وأصبح هناك مشكلات في تلبية الطلب المحلي علي الوقود لتراجع السعة التكريرية، بالإضافة الي مشكلات عدم توافر قطع الغيار اللازمة للصيانة، وهو ما أدي الي تقنين توزيع الوقود، ورفع أسعاره بنسبة ٥٠% عام ٢٠١٩، وكان لقطاع الصناعات البتروكيماوية نصيبه من العقوبات الامريكية، اذ استهدفت العقوبات كبري الشركات الايرانية العاملة في هذه الصناعة الهامة ( ايران ثاني أكبر منتج للبتروكيماويات في الشرق الاوسط ) مثل شركة الخليج للصناعات البتروكيماوية، وتجمع المجموعة القابضة (والمكونة من ٣٩ شركة تابعة) للبتروكيماويات، بالإضافة الي وكلاء مبيعات من الاجانب، وتمتلك هذه المؤسسة والشركات التابعة لها نحو ٤٩% من الطاقة الانتاجية لتلك الصناعة ، كما أنها مسئولة عن نحو ٥٠% من اجمالي الصادرات الايرانية من المنتجات البتروكيماوية..
٣ - الاثر علي الصناعة الايرانية: بعد سنوات طويلة من الحصار والعقوبات الاقتصادية أصبحت تكنولوجيا الانتاج في قطاع الصناعة الايراني كله متقادمة، وكثير من الوحدات الانتاجية في ايران تعمل بأقل من ٢٠% من طاقتها الانتاجية، بسبب مشكلات مزمنة في هياكلها التمويلية وازدياد الديون، مع مشكلات التحويلات البنكية التي تواجه نحو ٧٠% من وحدات القطاع الصناعي في ايران، وهو ما أدي زيادة تكلفة المعاملات المالية والتجارية ونقص العملات الاجنبية الضرورية، وبالتالي اصبحت الصناعة الايرانية تعاني من الركود والتعثر، وبالإضافة الي مشكلات عدم كفاية رأس المال ونقص الآلات والمعدات الحديثة يعاني قطاع الصناعة الايراني من منافسة البضائع المهربة والرخيصة مقابل المنتجات المحلية مرتفعة الثمن.
وبعد رفع العقوبات عن ايران عام ٢٠١٦ عادت كثير من الشركات الصناعية العالمية الكبرى الي السوق الايرانية، ولكن سرعان من انسحبت مع عودة فرض العقوبات في مايو ٢٠١٨، فتراجعت شركات كبري عن خططها للعمل في ايران، مثل شركة بيجو الفرنسية لصناعة السيارات، وكذلك جنرال الكتريك الامريكية وشركة هانيويل للتكنولوجيا وشركة بوينج الامريكية لصناعة الطائرات، وشركتي سيمنز وفولكسفاجن الألمانيتين ، بالإضافة الي كثير من الشركات الصناعية اليابانية والكورية ، وفقدت ايران كثير من اسواقها العالمية في احدي صادراتها الصناعية المهمة وهي السجاد الايراني ذو الشهرة الدولية، فقد شملت الحزمة الاولي من العقوبات عام ٢٠١٨ الحظر التجاري علي السجاد الايراني، وقد صدرت ايران الي السوق الامريكية فقط بما قيمته ١٢٦ مليون دولار من السجاد عام ٢٠١٧ – ٢٠١٨.
٤ - الاثر علي الاستثمارات الاجنبية المباشرة: خلال فترة رفع الحصار زاد تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة الي ايران، سواء في القطاع النفطي او في القطاعات غير النفطية، فإيران سوق استهلاكية كبيرة وفي حاجة الي استثمارات ضخمة لتلبية حاجة سوقها الاستهلاكية وسد الفجوة الانتاجية المحلية، وكان خطط الحكومة الايرانية بعد رفع العقوبات جذب ٢٠ مليار دولار سنويا من الاستثمار الاجنبية المباشرة خلال الفترة ٢٠١٧ – ٢٠٢١ وفقا للخطة الخمسية السادسة للتنمية الاقتصادية، ولكن منذ بداية ٢٠١٦ وحتي سبتمبر ٢٠١٧ ( وهي فترة رفع العقوبات ) بلغت الاستثمارات الاجنبية – وفقا للتقديرات الايرانية – ٧,٤ مليار دولار فقط، تركزت في قطاع النفط والغاز والطاقة المتجددة والسيارات والبتروكيماويات، ولكن بمجرد اعلان الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي من طرف واحد في ٨ مايو ٢٠١٨ ووضعها لجدول زمني لإعادة تفعيل العقوبات علي الشركات العالمية العاملة في ايران، أعلنت أغلب تلك الشركات تجميد استثماراتها في ايران والخروج من السوق الايرانية قبل انتهاء المهلة المحددة ( ١٨٠ يوما ) خوفا من أن تتأثر أعمالها أو استثماراتها في السوق الامريكية الاهم والاكثر جدوي، أو تحسبا من فرض غرامات مالية كبيرة عليها، وتنوعت الانشطة التي تعمل بها تلك الشركات المنسحبة من السوق الايرانية، ما بين من شركات الطائرات المدنية، وشركات السيارات، وشركات قطاع الطاقة، والنقل البحري وتأمين الحاويات، وشركات الخدمات المالية والتأمين، وشركات الاستثمار الزراعي والتجارة والخدمات المختلفة.
٥ - الاثر علي سعر صرف العملة الايرانية: شهدت العملة الايرانية (التومان) تراجعا كبيرا في قيمتها أمام العملات الاجنبية المختلفة خلال أقل من عام واحد علي اعادة فرض العقوبات الاقتصادية علي ايران، فقد ارتفع سعر صرف الدولار الامريكي أمام التومان الايراني بنحو ٣٠٠% في سبتمبر ٢٠١٨، واستمر ارتفاع سعر صرف الدولار امام العملة الي الايرانية فيما تلا ذلك من سنوات، وفي فبراير ٢٠٢٣ قفزت اسعار العملات الاجنبية امام التومان بنسبة ٣٤% مرة واحدة مقارنة بالشهر السابق، وتجاوز سعر الدولار الواحد ٦٠ ألف تومان مقارنة بالشهر السابق الذي بلغ ٤٤ ألف تومان، وقد أدي الانحدار الشديد في قيمة العملة الايرانية الي مشكلات اقتصادية كبيرة، منها ارتفاع تكلفة المستورد من المواد الخام والسلع الوسيطة الضرورية للإنتاج المحلي في مختلف القطاعات، وارتفاع معدلات التضخم وما يلازمه من انخفاض القدرات الشرائية لذوي الدخول الثابتة والطبقات الدنيا في المجتمع، ولم تجد سيطرة الحكومة علي سوق العملة في ايران ولا السياسات التي اتخذتها في الحد من تراجعها، فقد قامت باتخاذ مجموعة من الاجراءات العقابية ضد التجار ومكاتب الصيرفة، كما قامت بإنشاء جهاز اطلقت عليه " مركز صرف العملات الاجنبية والذهب " للحد من التعاملات في السوق الموازية.
٦ - ارتفاع معدلات التضخم: تصاعدت معدلات التضخم خلال السنوات الاخيرة في ايران، مما أدي الي اتساع الفجوة بين الطلب الكلي والعرض الكلي، ومن ثم ارتفاع متتالي ومستمر للأسعار، فقد رافق الانحدار المتتالي في قيمة العملة الايرانية بسبب العقوبات الاقتصادية وانخفاض مستوي العرض الخارجي من الواردات ارتفاعا كبيرا في معدلات التضخم في ايران، ووفقا لصندوق النقد الدولي بلغ معدل التضخم ٩,٧% عام ٢٠١٧، قبل أن يرتفع بشدة بعد اعادة فرض العقوبات ليصل الي ٣٠,٥% عام ٢٠١٨، ثم يرتفع الي ٤١% عام ٢٠١٩ (طبقا لما أعلنه مركز الاحصاء الرسمي في ايران فقد بلغ معدل التضخم ٤٠% عام ٢٠١٩، وارتفعت اسعار المواد الغذائية بنحو ٥٥,٧% ) ووفقا لما أعلنه مركز الاحصاء الايراني عام ٢٠١٩ ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة ٦٠% مقارنة بالعام السابق، وارتفع متوسط سعر المتر المربع للسكن بنحو ٨٢% بالمقارنة بالعام السابق، وطبقا للبيانات الرسمية الايرانية فإن عام ٢٠٢١ – ٢٠٢٢ شهد ثاني أعلي معدل تضخم في تاريخ الثورة الاسلامية في ايران، مسجلا ٤٠,٢%، بينما شهد عام ١٩٩٥ - ١٩٩٦ معدل التضخم الأعلى بنسبة ٤٩,٤%.
ثانيا: مشكلات القطاع المالي في ايران..
تتنوع مشكلات القطاع المالي في ايران بين مشكلات داخلية وأخري خارجية ، ومن أمثلة المشكلات الداخلية الافلاس المتتابع لكثير من البنوك والمؤسسات المصرفية في ايران، وكان أبرزها قضية افلاس بعض المؤسسات المالية عام ٢٠١٧، والتي بدأت بعد اعلان مؤسستين ماليتين – مؤسسة كاسبيان ومؤسسة أرومان - عجزهما عن رد أموال المودعين لبضعة أشهر، ثم بدأت مؤسسات مصرفية أخري تعجز عن سداد التزاماتها للمودعين وتقترب من الافلاس، برغم تطمينات صدرت من السلطات المالية والنقدية في ايران. وقد تضاعفت حالات إفلاس الشركات ثماني مرات خلال عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧، كما لجأت بعض المؤسسات المالية الي ما يسمي " بالإفلاس الصوري " من أجل تهرّب الشركات من دفع ديونها للبنوك، وقد تسبب هذا الأمر في زيادة خسائر البنوك وأزماتها المالية..
وتنتشر في ايران كثير من المؤسسات المالية غير البنوك، وهي تقترب من دور شركات توظيف الأموال، وتعطي عوائد مالية مرتفعة علي أموال المودعين لديها، وهي عوائد أعلي كثيرا مما تقدمه البنوك الحكومية، وتصل الي ٣٥% ( تقدم البنوك الحكومية فوائد علي الودائع تتراوح بين ١٨ – ٢٢% )، ويقدر عدد المؤسسات المالية في ايران بأكثر من ٣٥٠٠ مؤسسة تنشط خارج دائرة البنوك، نحو ٩٠٠ منها فقط تعمل بشكل رسمي، في حين لا يخضع الباقي لرقابة واشراف البنك المركزي.
وتأتي مشكلة غسيل الاموال كواحدة من المشكلات الكبيرة للقطاع المالي الايراني، وطبقا لوزير الخارجية الايراني فإن غسيل الاموال يصل الي مليارات الدولارات سنويا في ايران، من قبل متنفذين في الدولة وخارجين عن القانون، وكان عدم التزام ايران باتخاذ الاجراءات والسياسات الكفيلة بوقف هذه الظاهرة سببا في وضع ايران علي اللائحة السوداء لمنظمة العمل المالي الدولية، وقد صنفت مؤسسة بازل - التي تحقق في عملية جرائم غسل الاموال ومكافحة الإرهاب - والتي تتخذ من سويسرا مقرا لها إيران كواحدة من ابرز الدول عالميا في هذا المجال، وقد وضعت هذه المنظمة في تقرير ٢٠١٧ إيران ولمدة أربع سنوات علي التوالي في المرتبة الأولي من بين ١٤٦ دولة شملها الاستطلاع من حيث مخاطر غسل الاموال، وقد جاء بالتقرير أن ايران منذ عام ٢٠١٢ حتي عام ٢٠١٧ - باستثناء عام ٢٠١٣ - كانت تحتل المرتبة الاولي من حيث انشطة غسل الاموال.
وفي المشكلات الخارجية يأتي استبعاد ايران من التعاملات المالية الدولية كأحد ابرز تحديات ذلك القطاع الحيوي في ايران، ففي عام ٢٠١٦ وبرغم رفع العقوبات الاقتصادية عن ايران الا ان البنوك الكبرى في العالم ظلت علي حذرها في التعامل مع النظام البنكي في ايران، ومع التعاملات المالية عموما مع ايران، وذلك خوفا من الغرامات الامريكية، وقد ظل الحساب المصرفي للسفارة الايرانية في لندن مغلقا برغم رفع الحظر الاقتصادي، وظل التعامل المالي مع البنوك الكبرى في العالم محدودا للغاية، وأغلب البنوك التي تتعامل مع ايران هي بنوك أسيوية، مع عدد محدود من البنوك الاوربية، ومع اعادة فرض العقوبات الاقتصادية الغربية عام ٢٠١٨ تعرض القطاع المالي الايراني الي مشكلات حادة.
وفي فبراير ٢٠٢٠ أدرجت مجموعة العمل المالي الدولية FATF ايران في القائمة السوداء، ومنظمة FATF منظمة مالية دولية انشئت في فرنسا عام ١٩٨٩، ونطاق عملها ضمان شفافية المعاملات المالية حول العالم ومكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب، وقد أعطت المنظمة طوال عدة سنوات مهلة وراء اخري لإيران لتوفيق اوضاعها تمهيدا لانضمامها الي المنظمة، التي يشترك في عضويتها كل دول العالم باستثناء كوريا الشمالية، وهو ما انتج مجموعة من الاثار علي الاقتصاد الايراني، منها اغلاق الحسابات البنكية للإيرانيين في الخارج، والتي يجري عن طريقها التبادل التجاري لإيران خارجيا، مع ما يستتبعه ذلك من تقليص التبادل الدولي والتجارة الخارجية لإيران، لإحجام كثير من شركائها التجاريين عن التعامل معها تحسبا لعقوبات FATF ، بالإضافة الي ارتفاع تكاليف التبادل التجاري، وهو ما أثر ايضا علي مجمل متغيرات الاقتصاد الايراني، وخاصة سعر صرف العملة الايرانية..
وتأتي مشكلة الاموال الايرانية المجمدة كأحد مشكلات الاقتصاد الايراني، وقد قدرت تلك الاموال عام ٢٠١٦ بنحو ١٠٠ – ١٥٠ مليار دولار، في حين قدر تقرير لصندوق النقد الدولي عام ٢٠٢٢ الاموال الايرانية المجمدة بحوالي ١١٥ مليار دولار، وهو مقدار كبير من الاموال السائلة كفيل – عند عودته الي ايران – بإنقاذ الاقتصاد الايراني، اذ انه سوف يضاعف حجم الاحتياطي النقدي، ويحفظ استقرار العملة الايرانية، ويساهم في تمويل خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ايران، برغم وجود قيود كبيرة علي استرداد كامل هذه الاموال حتي في حالة رفع العقوبات علي ايران مستقبلا..
وخلال الفترة التي رفعت فيها العقوبات الاقتصادية عن ايران (٢٠١٦ – ٢٠١٨ ) استردت ايران جزء يسيرا من تلك الاموال المجمدة، وهو مقدار غير معلوم، قدرته مصادر اعلامية بنحو ١٠ مليار دولار( في حين ذكرت مصادر اخري ان ما استردته ايران من اموالها المجمدة اقل من الربع ) ولم تصل تلك الاموال بالطرق التقليدية عبر البنوك، بل في صورة نقد او في صورة ذهب.
ثالثا: مشكلة الديون الحكومية:
تعد مشكلة الدين العام واحدة من التحديات الرئيسة التي تواجه الاقتصاد الايراني، وذلك في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة علي ايران، وانخفاض صادراتها النفطية، بالإضافة الي عدم قدرة الاقتصاد الايراني علي التوفيق بين زيادة نفقاته وتراجع ايراداته المالية، والذي أدي الي حدوث عجز مالي في الموازنة العامة بلغ ٥٨ مليار دولار عام ٢٠٢٠، ولتعويض ذلك العجز في الميزانية عادة ما تلجأ الحكومة الايرانية الي الاستفادة من أسواق الدين الايرانية ( زيادة السيولة عبر طباعة الاوراق النقدية والاقتراض من البنك المركزي – أو اصدار سندات مالية بضمان أموال النفط المصًدر – أو الاقتراض من صندوق التنمية الاحتياطي ) والجزء الاكبر من الدين العام الايراني هو دين داخلي، وطبقا لصندوق النقد الدولي بلغ المبلغ الاجمالي لديون ايران عام ٢٠١٨ نحو ١١٨ مليار دولار، ليرتفع الي ٢٦٠ مليار دولار عام ٢٠٢٠، أي نحو ٤٤% من الناتج المحلي الاجمالي الايراني.
والدين الخارجي الايراني متواضع، وقد بلغ عام ٢٠٢٠ نحو ٩ مليار دولار، ونسبة الدين الخارجي الي الناتج المحلي الاجمالي الايراني هي الأدنى بين الدول المتوسطة والمنخفضة الدخل، وبرجع جزء من ذلك الي تخوف كثير من بلدان العالم المقرضة من تقديم قروض مالية للحكومة الايرانية. أما بالنسبة للدين المحلي او الداخلي (وهو مجموع ديون الحكومة والشركات المملوكة للدولة محليا) فهو أضخم بكثير من الدين الخارجي، وهو يزداد بوتيرة سريعة..
ومازلنا مع إيران... ومازالت قصة الاقتصاد الإيراني لم تنته بعد...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟