أحمد فاروق عباس
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 18:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس هناك موضوع اكثر إلحاحا علي عقل العالم وضميره من دراسة وفهم الامبراطورية الأمريكية.. كيف جاءت... وكيف تتصرف ولماذا... ثم كيف تكون النهاية.. باعتبار ان لكل شئ في الكون نهاية...
والامبراطورية الأمريكية إمبراطورية حديثة بمقاييس الزمن، والذي وصل عمر بعض الإمبراطوريات فيه الي عدة قرون، ولقد خرجت الولايات المتحدة الي ممارسة دور إمبراطوري تمارس فيه هيمنتها علي مصائر العالم كله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. اي منذ ثمانين عاما، ولكن لم تعترف أمريكا ولا مفكريها وكتابها بهذا الدور الامبراطوري الا منذ ثلاثة عقود فقط...
والولايات المتحدة دولة رأسمالية، وهي الدولة القائدة عالميا للنظام الرأسمالي، وهي التي تدفع بكل وسائلها لتطبيقه في كل ارجاء العالم، بالقوة حينا، وبالحيلة أحيانا...
ومن طبائع النظام الرأسمالي المستقرة - وخاصة الدول القائدة له - أن معدلات الانتاج للسلع المختلفة تفوق بمراحل قدرة الاسواق المحلية علي استهلاكها، كما ان الحاجة الشديدة للمواد الخام والمواد الاولية اللازمة لذلك الانتاج تفرض عليها الخروج خارج حدودها.. جلبا لتلك المواد الخام والاولية، ثم تصريفا لذلك الانتاج الهائل- بحكم تطور التكنولوجيا - الذي تعجز أسواقها المحلية عن استهلاكها...
وخروج الدول الرأسمالية الكبري خارج حدودها يستلزمه دور نشيط في السياسة الدولية، يبدأ اولا بفرض مبدأ التجارة الحرة، ولكن سرعان ما تدرك تلك الدول ان التجارة وانتقال السلع عبر البلدان والقارات والمحيطات يلزمه قوة تحميه... ومن هنا نشأ استعمار الدول الرأسمالية بجيوشها لأغلب العالم القديم والجديد... وكان تطبيقه الابرز مع الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية...
والولايات المتحدة تسير في نفس الطريق الذي سارت فيه من قبل الامبراطورية البريطانية والامبراطورية الفرنسية، ولكن بأساليب ووسائل وطرق تختلف جدا عما مارسته تلك الإمبراطوريات الغاربة...
لقد عاشت الإمبراطوريات قديما الي جانب بعضها البعض، ربما تتحارب في بعض المراحل، وربما تتعاون في بعض الأحيان، لأنها لم تكن امبراطوريات عالمية، ولكن مع القرن العشرين ظهرت الإمبراطوريات العالمية، حيث تري تلك الإمبراطوريات ان العالم كله ملعبها، وفي ارضه وماءه وسماءه مصالحها، ومن ثم لم يعد بالإمكان تعايش الإمبراطوريات معا كما كان يحدث قديما، فالامبراطورية الأمريكية نحت الإمبراطورية البريطانية جانبا وورثت اغلب ممتلكاتها، وحاربت الامبراطورية السوفيتية حتي استسلامها بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وتحاول الامبراطورية الأمريكية بكل الوسائل منع اي ظهور إمبراطوري لأية قوى منافسة..
وكانت الثورة في وسائل المواصلات والاتصالات خلال القرن العشرين مما ساعد علي تمدد الإمبراطوريات واعتبار العالم كله مسرحها وملعبها...
والحظ السعيد في الموقع الجغرافي الممتاز للولايات المتحدة هو ما جعل - مع محددات أخري مهمة - من وصولها الي مركز القوة العظمي ثم الامبراطورية العالمية ممكنا، فالولايات المتحدة يحميها محيطان من شرقها ومن غربها، وفي شمالها دولة صديقة وهو من نفس تركيبة الولايات المتحدة - كدولة مهاجرين - وهي كندا، بينما تقع المكسيك في جنوبها، وهي دولة لم تقم طوال تاريخها بدور المنافس الحقيقي او العدو الذي يعمل له حساب بالنسبة للولايات المتحدة، وكان اعداء الدولة الأمريكية، ثم الامبراطورية الأمريكية بعدها - سواء كانت دولا او إمبراطوريات بعيدة في أوربا أو أسيا - يفصلها عنهم محيطات واسعة، وباستثناء حرب استقلال الولايات المتحدة عن الامبراطورية البريطانية لم تخض الولايات المتحدة خلال قرنين ونصف من الزمان حربا مع عدو خارجي علي أرضها، كانت بعض القوي تقترب احيانا من تهديد الولايات المتحدة كما حدث في تدمير اليابان للأسطول الأمريكي في بيرل هاربور عام ١٩٤١ اثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن ذلك كان تهديدا بالقرب من الارض - او اليابسة - الأمريكية وليس عليها، وكان تهديدا بالقوي الجوية والبحرية وليس غزوا بريا - وكان تهديدا يبغي إبعاد الولايات المتحدة عن مسارح الصراع والحرب وليس شدها اليها..
إن هناك تيارا سياسيا نافذا في الولايات المتحدة يري في الإمبراطورية الصيغة المثلي لتحقيق مصالح الدولة الأمريكية، وأن ارتقاء الدولة الأمريكية الي درجة الإمبراطورية العالمية هو الشكل الوحيد القادر على بقاء الدولة الأمريكية ورفاهيتها، وبدونه سوف تضمحل الدولة الأمريكية وتظهر تناقضاتها، وهي تناقضات ليست هينة ولا يسيرة، وبإمكانها اذا استمرت لفترة طويلة أن ترفع درجة حرارة الصراع في الداخل الأمريكي، مما يجعل بقاء الإتحاد الأمريكي ذاته أمرا مشكوك فيه...
وتناقش منذ فترة في أمريكا آراء مثل أنه ليس سيئا علي اطلاقه رجوع عصر الامبراطوريات مرة ثانية، وينادي البعض في الطبقة المفكرة في الولايات المتحدة انه ليس هناك مشكلة في إعادة بعث الامبراطوريات الأوربية ثانية، أو امبراطورية أوربية موحدة، ترفع عن الإمبراطورية الأمريكية جزء من مشكلة الأمن العالمي..
( والسؤال هنا فيما يخصنا نحن في العالم العربي: بما ان الفناء الخلفي لأوربا هو العالم العربي، فهل - في جزء من التفكير الأمريكي - سيتم تكليف الأوروبيين بشئون الأمة العربية مع إشراف أمريكي من بعيد ؟! ).
والامبراطورية الأمريكية تختلف جغرافيا اختلافا واضحا عمن سبقها من امبراطوريات، فالامبراطوريات السابقة كلها كانت ساحة جغرافية مفتوحة ذات حدود واضحة، تضم دولا سابقة تم الغاء سيادتها علي ارضها وقرارها، وتضم شعوبا متباينة حول العالم، وكان لتلك الإمبراطوريات حدودا جغرافيا تفصلها عن غيرها من وحدات سياسية مجاورة.. كالامبراطورية الرومانية او المغولية أو العثمانية أو البريطانية...
في حين أن الإمبراطورية الأمريكية - جغرافيا - هي نفسها حدود الدولة الأمريكية، ولكن النفوذ الأمريكي الغلاب هو الشكل الجديد الذي قدمته الولايات المتحدة لمعنى ومفهوم الإمبراطورية، وهو معني ومفهوم يتسق مع أزمنة حديثة لا تستسيغ فكرة الاحتلال العسكري وضم الدول الي الإمبراطورية المسيطرة، بعد أن سادت فكرة الدولة الوطنية والقومية وفكرة الاستقلال، وربما من هنا الحرب الشديدة حول فكرة الوطنية وفكرة القومية، ومحاولة فرض صور أخري من الأبنية السياسية تحت الخداع او الإكراه..
ومن ضمن أسباب بقاء الامبراطورية الأمريكية قوية ومزدهرة وربما من ضمن أهم أسباب بقاءها متحكمة فترة طويلة في المستقبل عاملين:
أ - ان الولايات المتحدة تمتلك - بالإضافة الي القوة المادية المرتبطة حتما مع قيام الإمبراطوريات وانتشارها - نظرية سياسية لها جاذبية، وايديولوجيا اقتصادية لها فوائدها... واعني بالنظرية السياسية مبدأ الديموقراطية الليبرالية وتداول السلطة بين الأشخاص والنخب - حتي ولو ظاهريا - واعني بالأيديولوجيا الاقتصادية النظام الرأسمالي.. التي تعد الولايات المتحدة في زماننا طليعته وحاميته...
وذلك بخلاف امبراطوريات عديدة لم تكن تحوز في يدها نظرية سياسية ذات جاذبية أو نظام اقتصادي استطاع العيش خلال قرون، ومن ثم لم تستطع تلك الإمبراطوريات مجاراة تقلبات الزمن واندثرت سريعا كالامبراطورية المغولية قديما، والامبراطورية البرتغالية والاسبانية حديثا...
أما الإمبراطوريات المستندة علي دين معين كالامبراطوريات الإسلامية المتعددة - الأموية والعباسية وخصوصا العثمانية - فقد عاشت زمنا أطول، تجاوز في الإمبراطورية الأخيرة - العثمانية - أربعة قرون...
ب - أن الامبراطورية الأمريكية كانت من الذكاء - عكس الامبراطورية البريطانية والفرنسية - أن لم تلجأ الي الاحتلال العسكري المباشر، - وهو سبب يستفز الشعور الوطني عند كافة الشعوب - واذا حدث ذلك فسرعان ما تنسحب من المناطق التي احتلتها، وقد استعاضت الولايات المتحدة عن إمبراطورية الاحتلال العسكري بإمبراطورية النفوذ...
وظهر الذكاء الأمريكي واضحا وجليا في انه أشرك كثيرين في مزايا الامبراطورية وفوائدها، ولم يقصرها علي نفسه فقط، مما جعل اطرافا كثيرة حول العالم تجد في بقاء الامبراطورية الأمريكية مصلحة وفائدة محققة لها، فاليابان والمانيا - بل وسائر اوربا - والصين ودول شرق وجنوب شرق آسيا حققت مستويات معيشة مرتفعة في ظل الامبراطورية الأمريكية... وذلك عكس الامبراطورية البريطانية والفرنسية التي نزحت ثروات شعوب العالم بطريقة وحشية ولم تترك لها سوي الفتات...
وومن تجربة اضمحلال الامبراطورية الإسبانية وصعود الامبراطورية البريطانية يتضح ان الاقتصاد أهم محركات بناء وحياة الإمبراطوريات، فعندما فقدت أسبانيا السيطرة علي تدفق السلع وتدفق رأس المال عبر القارة الأوربية وحولها لم يعد أمام الاسبان سوي القوة العسكرية المجردة يحاولون بواسطتها استعادة ما ضاع، وعندما فشل الأسطول الحربي الاسباني الأرمادا Armada غزو الجزر البريطانية وتحطيم تلك الامبراطورية المنافسة بدأت الامبراطورية الإسبانية في التراجع، حتي غربت شمسها تماما..
ومن رأي جون هوبسون - وهو من أكبر نقاد الامبريالية والسياسات الامبراطورية - فإن الامبريالية لا تحقق الأرباح المرجوة منها من وجهة نظر الاقتصاد الوطني ككل، بل علي العكس فالامبريالية يمكن ان تكون خسارة محققة للدولة التي تمارسها، فالأرباح والعائدات التي يتم تحقيقها من خلال التجارة مع المناطق المتخلفة اقتصاديا لا تتناسب علي نحو مقبول بتكاليف الجيوش والاجهزة الإدارية التي يتم انشاءها في الدول المسيطر عليها، بجانب الاستثمارات التي يتوجب انفاقها علي البنية الأساسية في تلك المناطق..
وبالتالي - من وجهة نظر هوبسون - فمن يدفع في اتجاه سياسات الهيمنة الامبريالية والسياسات الامبراطورية ليس مجموع الشعب من دافعي الضرائب ولا حتي التجار أو أصحاب المشروعات الاستثمارية بل ان القوة الدافعة الحقيقية هي رأس المال التمويلي- اصحاب البنوك الكبري والممولين الكبار والمسيطرون فعليا علي البورصات ورؤوس الأموال التي تتحرك عبر الأسواق العالمية - ورأس المال التمويلي هو من قام بإيقاظ الروح القومية في غرب أوربا وشمال أمريكا لإقناع الشعوب ان مصالح قلة من مالكي الاموال والمتحكمين في تحركاتها واجبا قوميا.. وهو ما ينطبق علي الامبراطورية البريطانية ثم الامبراطورية الأمريكية أكثر من غيرهما، فالامبراطورية الروسية لم يكونها فائض رأس المال التمويلي الذي يبحث عن الربح حول العالم بعد ان ضاق عليه تحقيقه داخليا، فروسيا في القرن ١٨ والقرن ١٩ وحتي مع الاتحاد السوفيتي في القرن ٢٠ كانت تفتقر بشدة الي رؤوس الأموال..
وكان مما ساعد علي اقناع الشعب الأمريكي بفائدة الامبراطورية بالنسبة لأمريكا حقيقة ان التكاليف التي تحملتها الولايات المتحدة خلال الحربين العالميتين كانت بسيطة بالنسبة للتكاليف الباهظة التي تحملتها بريطانيا العظمى مثلا أو فرنسا في الحرب العالمية الأولى أو الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، لقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الأولى والثانية منتصرة بأقل التكاليف، واستفادت طبقاتها العليا بشدة من الحربين، وربحت ارباحا هائلة، وكذلك الامر خلال حقبة الحرب الباردة وخروج الولايات المتحدة لدور إمبراطوري بصورة صريحة، فلم تتكلف الولايات المتحدة اثمانا فوق طاقتها، وحتي في الحربين الرئيسيتين اللتين خاضتهما - الحرب الكورية بداية الخمسينات والحرب الفيتنامية منتصف الستينات الي منتصف السبعينات - لم تكن تكاليفهما مما تنوء به دولة لها موارد وقوة الولايات المتحدة الأمريكية...
ومحصلة هذا كله ان السياسة الامبراطورية للدولة الأمريكية لم تجد من يعارضها داخل الولايات المتحدة سوي بعض الاصوات في الصحافة او بعض الكتاب، وهي اصوات لا تملك نفوذا يذكر داخل بنية الدولة الأمريكية...
والمتغير الجديد الذي ساعد علي سهولة هضم المواطنين هو ادخال أعداد كبيرة من أبناء الاقليات داخل الجيش الأمريكي، وفي صورة تعاقدات وليسوا كمجندين، بالاضافة الي إنشاء شركات عسكرية خاصة يتعاقد معها الجيش الأمريكي في حروبه ونزاعاته حول العالم... وقد عمل كل ذلك علي تقليل ضحايا الحروب والنزاعات من ابناء الطبقة الوسطي الأمريكية الي حدودها الدنيا، والطبقة الوسطي هي تقليديا - من خبرة حرب فيتنام - موطن التذمر والاعتراض علي السياسة الخارجية الأمريكية التوسعية...
... والان نقف لنسأل سؤالا : كيف تمارس الامبراطورية الأمريكية قوتها... وكيف وبأي الوسائل تتفاعل مع زمانها ؟
وهو ما يستدعي حديثا أخر...
#أحمد_فاروق_عباس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟